انه لمما يؤسف له أن بعض العلماء وطلبة العلم كثيرا ما يقعون في غلو وتشديد في بعض المسائل المتعلقة بمنهج الطلب والتأهل العلمي والحكم على المخالف وما الى ذلك، بسبب أقيسة فاسدة لحال حملة الحديث ونقلته مع رواة الحديث على أحوال طلبة العلم مع مشايخهم في زماننا!! فتجدهم يطبقون منهج نقد الرواة وعلم الرجال - مثلا - على العلماء وطلبة العلم المعاصرين لهم من أهل السنة، فما أن يقع عالم في خطأ أو مخالفة في مسألة من المسائل حتى ينطلق أحدهم بنهشه وهتكه ويطلق عليه لقب البدعة التي رأى أنه وافقها في ذلك - صحت تلك الموافقة أم لم تصح - فيقول فلان هذا مرجئ، فلان هذا جهمي، فلان هذا خارجي، وهكذا، واذا بطلبته يتبعونه على ذلك ويرون وجوب تقليده في حكمه هذا على ذاك المخالف أخذا بما نص عليه بعض المتأخرين من أهل الحديث في وجوب تقليد الأئمة الكبار المتقدمين في علم الرجال والجرح والتعديل!!! فان قال ذاك العالم"الجراح"في فلان مقالته، فقد وُصم فلان هذا بأنه"تكلم فيه"وانتهى أمره .. وحبذا لو أتى الطالب عن ذلك الشيخ بكلامه في فلان هذا بسند عال، حتى يكون أقوى في المحجة!! فلا يوصف ذاك"الجريح"بعد ذلك بأنه طالب علم ولا بما دون ذلك ولا هو من أهل السنة أصلا، بل يصبح من أهل البدعة الذين يجب تحذير الناس منهم مطلقا ورد سائر ما عندهم من خير، هكذا قياسا على جرح الراوي، وكأنه راو حديث قد ثبت جرحه بالسند عن أئمة الجرح فلا تقبل منه رواية قط!!!
فلعله من الآثار والثمرات الواضحة لهذا المنهج المعوج، أن يقاس تتلمذ أحد الطلبة على شيخ من المشايخ عبر الأشرطة المسجلة لذلك الشيخ - مثلا - على الوجادة في الحديث!! فلا يجاز ذلك الطالب في الرواية عن ذلك الشيخ لما تعلمه منه من العلم بقوله"سمعت الشيخ فلان يقول كذا وكذا"كما لا يجاز حامل الوجادة في أن يقول"سمعت عن فلان الراوي حديث كذا"عما بين يديه من الروايات التي وجدها ..
والبون بين الصورتين شاسع والله لمن تأمل!
كيف يقال على من قرأ كتابا لشيخ من المشايخ المعاصرين - بالذات - أن قراءته لذلك الكتاب ودراسته اياه هي من وجادة الحديث؟؟"وجد كتابا بخط فلان فروى عنه"؟؟؟ أولو كان الشيخ نفسه اليوم حيا بيننا يقر بنسبة ذلك الكتاب اليه ويعلم الناس بالتواتر أنه من تأليفه وكتابته؟؟ تأمل كيف لما كان السؤال الموجه للشيخ الوادعي رحمه الله - فيما نقله عنه أخونا الكريم صاحب الموضوع، والعهدة فيه عليه - هكذا:"هل من حقي أن أقول عن الشيخ مقبل بن هادي الوادعي أنه شيخي بمجرد سماع الأشرطة أو قراءة كتبه؟"
أجابه الشيخ بقوله:
(( مسألة الجواز الذي يظهر أنه جائز من حيث الوجادة فأنت وجدت كتابا يباع في السوق،ولم أنكره وعليه اسم مقبل ابن هادي فلا بأس أن تقول بهذا إنه يعتبر شيخا لي أو يعتبر معلما لي لأنني استفدت من كتبه ) )
قلت رحم الله الشيخ .. هذا السائل لا يطلب اجازة في رواية الحديث عن الشيخ مقبل!! ولكنه يسأل هل يصح أن أقول أنه شيخي أم لا! فالصواب أنه شيخه وأنه تعلم منه ولا شك! ولكن ان سأله سائل هل عاصرته أو جالسته أو نحو ذلك، فلعله أن يفصل في ذلك بقوله كلا ولكني تعلمت من كتبه وأفدت منها! ..
هذا في شأن الكتب، أما الأشرطة فلا يخفى أن الذي يسمعها فكأنما جالس الشيخ وحضر الدرس مع الحاضرين، غير أنه لم يُحرم الا من امكان توجيه السؤال اليه ومناقشته بعد الدرس أو في خلاله فقط! أما من جهة السماع والتلقي فلا فرق!! فكيف لا يقال أنه تتلمذ عليه؟؟ وهل لا يصح أن يقول الطالب أنه تتلمذ على الشيخ فلان الا ان جالسه وعلم الشيخ بحاله وتابعه متابعة مباشرة، وأجازه اجازة مسندة؟ هناك فرق بين من يقول لقد تتلمذت على الشيخ فلان وتعلمت منه ومن دروسه، وبين من يقول أنا من"تلامذة الشيخ فلان"- هكذا - كأنه يقصد أنه قد أجازه الشيخ فلان هذا، أو أنه قرأ عليه ما قرأ! فلا ينبغي أن يدلس الطالب في كلامه فيوحي بأن هذا هو معنى قوله أنه من"تلامذة"الشيخ!! وهذه كلها على أي حال أمور تظهر في التراجم بوضوح ولا دخل للوجادة وعلم الحديث بشيء منها! والله أعلى وأعلم
ـ [ربيع أحمد السلفي] ــــــــ [16 - Nov-2008, صباحًا 05:12] ـ
الحمد لله وحده.
(يُتْبَعُ)