فهرس الكتاب

الصفحة 9548 من 20085

فبين الإمام القسطلاني ـ رحمه الله ـ في هذا الكلام الجامع أن الإيمان الذي عناه إنما هو أول ما يذكر من المقاصد الدينية، وهو ملاك الأمر ورأسه، والباقي من الدين ليس إلا فروعًا تابعة له، مبنية عليه، مشروطة به، وهو أول واجب على المكلّف قبل الشروع في مباشرة أي عمل من الأعمال، فعلم بذلك أنه يتكلم عن أصل الدين، وحدّ الإسلام الذي يصير به الكافر مسلما، وعلى مقتضاه يؤمر وينهى. وبين أن هذا الأصل هو التصديق، ولكنه لم يعن به نسبة الصدق إلى الخبر والمخبر به، أو أن يقع في القلب العلم بصحة الخبر وصدق المخبر، وإنما هو أمر وراء ذلك تمامًا، فهو يحوي زيادة على ذلك الإذعان والقبول لحكم المخبر، فليس بمؤمن من صدق الخبر وردّ الحكم، بل لا يعتدّ بتصديقه البتة، ولا يعتبر تصديقًا صحيحًا، إذ لو كان كذلك لأدى بصاحبه إلى الإذعان وقبول الحكم، وعلى ذلك فهو تصديق مريض، وعلامة مرضه عدم إيتاءه منافعه وثماره عن الطاعة والإذعان والقبول، فهو تصديق لا ينتفع به صاحبه، وجوده كعدمه، ليس له أي إعتبار في حساب الشارع الحكيم.

وبين كذلك أن لفظي الإيمان والإسلام متفقان في الدلالة على هذا الأصل، متحدان في حقيقة التصديق، فمدلولهما واحد ومسمّاهما واحد، وإن اختلف اللفظان، وهو: تصديق الخبر، وقبول الحكم.

ومما ذكر تخلص لنا حقائق في العقيدة ذات أهمية بالغة وهي:

1 ـ أن أصل الدين، وحقيقة التوحيد، التي ينجو بها المرء من الكفر والشرك الأكبر، ومن ثم من الخلود في النار، سواء علينا أسميناها الإيمان أو الإسلام أو التوحيد أو الدين أو إفراد الله بالعبادة، فمسمّاها واحد لا يختلف باختلاف الأسماء، وهذه الحقيقة أو هذا الأصل سابق على غيره من التكاليف، وغيره لاحق به، ولا يقبل ولا يصح إلا به، والإيمان أو التوحيد ـ وهما شيء واحد ـ شرط في صحة الأعمال وقبولها.

2 ـ أن هذا الأصل ذو شقين:

أ ـ تصديق خبر الرسول ? جملة وعلى الغيب: ويسميه أهل العلم:"قول القلب"، وهذا الشّق لا يدخل فيه شيء من الأعمال ـ أعمال القلب والجوارح ـ بل إن قصاراه أن يقع في القلب العلم اليقيني الجازم بصدق رسول الله ?، وصحة ما جاء به، وكذا عموم رسالته، وشمولها لجميع الخلق، وإحاطتها بكافة جوانب حياتهم، ومن كذب بشيء من ذلك، فقد وقع في كفر التكذيب المنافي للعلم والتصديق، يقول العلاّمة ابن القيم ـ رحمه الله ـ:"وأما الكفر الأكبر فخمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر إستكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق."

فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرّسل، وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيّد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم، ما أقام به الحجّة، وأزال به المعذرة، قال تعالى عن فرعون وقومه: {جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} . وقال لرسوله ?: {فإنهم لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} وإن سميّ هذا كفر تكذيب أيضًا فصحيح، إذ هو تكذيب باللّسان اهـ .

فلا بد من الإيمان بأن محمدا رسول الله ? إلى جميع الخلق إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، علمائهم وجهلائهم، ملوكهم وسوقتهم، وأنه لا طريق إلى الله ـ عز وجل ـ لأحد من الخلق إلا بمتابعته ظاهرًا وباطنًا، حتى لو أدركه موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ لوجب عليهم اتباعه. ولا بد من إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، وتصديقه فيما أخبر عن ذات الرب وأسمائه وصفاته وأفعاله، نفيًا وإثباتًا، وبذلك يتخلص المرء من باطل التعطيل، وباطل التمثيل، ويثبت لله ما أثبته له رسوله من صفات الكمال ونعوت الجلال، وينزهه عن العيوب والنقائض، ومشابهة المخلوقين، ولا بد من الإيمان بشريعته، بتحليل ما أحلّ وتحريم ما حرّم، والإقرار بفرضية ما فرض من صلاة وصيام وزكاة وغيرها، والإعتراف بحرمة ما حرم من زنا وسرقة وخمر ونحوها.

ولا بد أيضًا من الإيمان بما أخبر به عن الموت، والقبر وما يجري للناس فيه، وعن البعث والنشور، و ما يلقى الخلائق يومئذ من الأهوال، وعظائم الأحوال، وعن الجنة والنار، ومصير العباد إليهما.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت