فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فهذه أجناس العلوم الثلاثة التي حواها القرآن الكريم، وقد ذكرها الإمام الشاطبي بتوسع: فجنس هو معرفة المعبود، وآخر هو معرفة الشريعة التي تعبّدنا بها، وثالث: هو معرفة مآل العباد ومصائرهم بحسب أعمالهم، ومن أنكر شيئًا من ذلك فهو كافر ..
ب ـ إلتزام شريعة الرسول جملة وعلى الغيب: ويسميه أهل العلم"عمل القلب"وهذا الشق لا يقتضي عملًا من الأعمال إلا القبول، أي عقد القلب على التزام الحكم، وإمتثال الأمر أبدًا، وهو سابق على جميع الأعمال من الواجبات والتروك، إذ أنه شرط في صحتها وقبولها، وهي منه بمثابة الفرع من الأصل، وقد سبق أن نقلنا عن الإمام القسطلاني تعريفه لهذا الأصل بأنه:"أول ما يذكر من المقاصد الدينية، لأنه ملاك الأمر كله، ولأن الباقي منها مبني عليه، مشروط به، وهو أول واجب على المكلف"ا. هـ.
فمن أتى به ـ أي قبول الأحكام جملة وعلى الغيب ـ أمر ونهي على مقتضى ذلك، وجاز له أن يدخل في الأعمال، ويباشر فروع الطاعات، من أداء الواجبات والمندوبات، وترك للمحرمات والمكروهات، وهذا هو الذي ينظر في أعماله، لأنها صحيحة معتبرة، لقيام شرطها، وقاعدتها التي تنبني عليها وهي: قبول الأحكام جملة وعلى الغيب، فيثاب على طاعته، وأما معاصيه فهي تحت مشيئة الله، إن شاء غفرها، وإن شاء عاقبه عليها.
وأما من لم يأت بهذا الأصل، أو قام بما ينقضه ويهدمه، كأن يرد حكمًا من أحكام الله ورسوله ? فهو كافر خارج من الملة، لإنخرام أحد شقي أصل الدين، وحد الإسلام في حقه، وهو: قبول شرع الله جملة وعلى الغيب المنافي للرد والإمتناع .. وبتخلف هذا الركن يتخلف ركن العلم والتصديق لا محالة، ذلك أن من خصائص حد الإسلام، أن لا يقبل ركن من أركانه بغير الركن الآخر، فلا يقبل تصديق بغير إلتزام، ولا إلتزام بغير تصديق، فلا بد من إستيفاء الحد كله لإستحقاق اسم الإسلام وصفته، وتخلف ركن من أركان الأصل يتخلف به الأصل، والدين يتخلف بتخلف الأصل ... فهذا لا ينظر في أعماله البتّة، إذ أنها باطلة حابطة، لإنعدام شرط قبولها وصحتها وهو الإذعان والقبول للأحكام كما تقدم في قول الإمام القسطلاني عند تعريفه لحد الإسلام.
يقول الأستاذ عبد القادر عودة في الجزء الأول من كتابه"التشريع الجنائي"في تفسير قوله عز وجل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} :"ويستدلّ الفقهاء بهذه الآية على من رد شيئًا من أوامر الله وأوامر رسوله فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك، أو من جهة ترك القبول، والإمتناع عن التسليم، ولقد حكم الصحابة بإرتداد مانعي الزكاة، لأن الله حكم بأن من لم يسلم بما جاء به الرسول، ولم يسلم لقضائه وحكمه فليس من أهل الإيمان"ا. هـ .
فعلى المرء أن يقبل كل ما جاء به النبي ? من الشرائع والأحكام، والأوامر والنواهي، كأصل ينعقد له به جد الإسلام المستوجب لعصمة المال والدم في الدنيا، والنجاة من الخلود في النار في الآخرة، قبل مباشرة أي عمل من الأعمال، التي طلب منه أن يعقد قلبه على قبولها أولًا، وهذا موضع عظيم لمن تأمله، وسرّح فيه ألحاظه، وأعمل فكره، ففيه الفرق بين الطاعتين والإلتزامين:
• فالإلتزام الأول: هو الإلتزام الداخل في أصل الدين، وهو الذي قصدنا الكلام لأجله، وهو شرط في صحة الثاني وقبوله، وهو الفيصل بين الإيمان والكفر، وهو من أعمال القلوب، ودلالته: الرضى والإقرار مع عدم الرد - رد حكم الله عليه - وهو: عقد القلب على قبول الحكم والإذعان له، والإقرار به باللسان بما ينافي الإباء والإستكبار.
• والإلتزام الثاني: هو الإمتثال العملي، بفعل الأوامر وإجتناب النواهي، ويدخل في فروع الدين لا أصله، ويجري فيه التفاوت والتبعيض، وهو لاحق بالأول، تابع له، صحته وقبوله مرهون بحصول الأول وتحققه، ولا يتعلق إلا بعمل المرء فقط، إذ هو من أعمال الجوارح، فلا تلازم بينهما، وعليه، فلا يجوز أن يقال: إن من أدى الأمر، أو اجتنب النهي فقد قبل الحكم أو العكس.
وعليه نقول:
(يُتْبَعُ)