فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن الدخول في الأعمال: يتعلق بعمل المرء فقط، ولا علاقة له بقبول التكليف أو رده، ولا تلازم بينهما، فليس هو الفيصل بين الكفر والإيمان، فهو إذًا خارج نطاق كلامنا، فلنتركه إلى المقصود، وهو قبول التكليف.
فقبول التكليف يتعلق بأمر الله لك، أو حكمه فيك، مما لا يقتضي عملا غير القبول، جاء في تفسير قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ... } . روى مسلم في صحيحه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال:"لما نزلت على رسول الله ?: {لله ما في السماوات والأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله…} الآيات. اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ? فأتوا رسول الله ? ثم بركوا على الركب: أي رسول الله كلّفنا ما نطيق من الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله ?:"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا:"سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"فلما ابتدأها القوم وزلّت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في أثرها: {آمن الرسول بما أنزل عليه من ربه والمؤمنون كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: {لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال:"نعم" {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} قال:"نعم" {ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} قال:"نعم" {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال:"نعم""ا. هـ ."
يقول الشيخ يوسف عبد المجيد الشاذلي في التعليق على هذه القصة:"فخاف عليهم رسول الله ? من إلتماس التخفيف أن يؤدي إلى الرفض، وهو ما لم يفعله الصحابة أبدًا والحمد لله، كما فعله من كفر من أهل الكتابين، فأمرهم أن يتلقوا حكم الله بالقبول مهما شق عليهم، فبادروا إلى ذلك وهذا هو معنى: {آمن الرسول بما أنزل عليه من ربه والمؤمنون"الآية. وبالله التوفيق} ا. هـ .
فدل الأثر على أن الطاعة المطلوبة في أصل الدين لا تقتضي عملًا إلا القبول وعدم الرد، إذ طلب النبي ? من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أن يقبلوا الحكم إبتداء، وإلا وقعوا فيما وقع فيه من قبلهم من أهل الكتابين، لما ردوا حكم الله ورفضوه، وهذا كفر ـ والعياذ بالله ـ، ثم بمجرد مبادرة الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إلى تلقي حكم الله بالقبول والتسليم، كتبها الله لهم طاعة، وأنزل في حقهم: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} .
فهذه الطاعة ـ أي قبول التكليف ـ مطلقة غير مقيدة بواجب معين، أو نهي معين، بل إنها الإستسلام المطلق لما جاء من عند الله ـ عز وجل ـ لذا كان دين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم واحد، لأنهم جاءوا بالإستسلام المطلق لله عز وجل أجمعين، وإن اختلفوا في فروع الأعمال من الأوامر والنواهي، قال عز وجل: {إن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين} .
وغاية هذه الطاعة أن يقف المرء من الرسول موقف السمع والطاعة، ويقبل ما جاء به جملة وعلى الغيب، ويعقد قلبه على إلتزام شرائعه أمرًا أمرًا ونهيًا نهيًا، إن بلغته تفاصيلها، وأما ما لم يبلغه تفصيله فيعقد قلبه على الإستعداد لقبوله بعينه حين بلوغه، والإلتزام به عند العلم به، هذه هي الطاعة في الشرائع والأحكام أو قبول التكليف، وهي واجبة على المسلم في كل زمان، حتى في بداية الدعوة النبوية، وقبل نزول الأحكام والشرائع التفصيلية.
(يُتْبَعُ)