وأسوأ منه التكليف المحال لأنه لا يتصور في العقل ولا حكمة فيه أبدا، كأن تقول للمجنون: اعقل، ومثله تكليف الغافل و النائم والناسي والسكران سكرا بينا و الذي لم يصله الخطاب من الله عز و جل.
فهذا هو الإشكال الذي أورده الحافظ ابن كثير على آية الميثاق:
كيف يكون هذا الميثاق وهذا الإشهاد حجة علينا ونحن لا نذكره أصلا؟
فهذا يكون من قبيل التكليف المحال الذي هو غير جائز عقلا و غير واقع شرعا.
وهذا الإشكال حله العلماء بطريقتين:
1 -فريق من العلماء قالوا: إننا و إن كنا لا نذكر هذا الميثاق فإن الرسل قد جاؤوا فذكرونا به.
? فعلى هذا القول، هذا الميثاق أصبح حجة بعد مجيء الرسل.
2 -الفريق الثاني كالحافظ ابن كثير و طائفة قالوا أن آية الميثاق هذه:"وأشهدهم على أنفسهم"، هذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
واختلف العلماء في تحديد الفطرة ماهي؟
ولهم فيها أقوال ساقها ابن عبد البر في كتابه التمهيد، حيث نقل نقلا شافيا و بحث المسألة بحثا مطولا، استوعب فيه تقريبا كل الأقوال.
وأورد هذا البحث بطوله ابن القيم في شفاء العليل.
وقد رجح كبار الأئمة أن الفطرة هي معرفة الصانع.
والمسألة إخوتي الكرام المستند فيها إلى ألفاظ الآية حيث هي دالة على ان الفطرة معناها الإقرار بالصانع.
وهذا أمر نجده في أنفسنا و يعرف ببديهة العقل، حيث أننا نشاهد الطفل لو ضُرب على رأسه من الخلف التفت ليعرف من الذي أثر هذا التأثير، فهو يلتفت ليعرف صاحب التأثير. فحينئذ نقول أن الإنسان منذ أن يولد ويتولد لديه الفهم و الإدراك يدرك أن كل فعل لا بد له من فاعل بدليل: (من أخذ لعبتي، من الذي أكل طعامي ... )
وبهذا المنطق نفسه توصل الأعرابي إلى أن لهذا الكون ربا موجِدا: (البعرة تدل على البعير وأثر السير يدل على المسير ... )
وبهذه الحجة ناقش أبو حنيفة الدهرية الجاحدين للصانع.
فهذه هي الفطرة المرادة بالميثاق.
والصواب الجمع بين القولين غير المتنافيين في الحقيقة فنقول: الرسل ذكروا الخلق بهذا الميثاق الذي أخذ عليهم وآثار هذا الميثاق هي الفطرة الموجودة فيهم.
قال ابن الأنباري رحمه الله تعالى: مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وصلب أولاده وهم في صور الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون فاعترفوا بذلك و قبلوا. اهـ الروح (210) الصحيحة (4/ 161) .
وقال ابن عبد البر في التمهيد (18/ 89) : ومعنى الآية والحديث أنه أخرج ذرية آدم من ظهره كيف شاء ذلك وألهمهم أنه ربهم فقالوا بلى لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ثم تابعهم بحجة العقل عند التمييز وبالرسل بعد ذلك استظهارا بما في عقولهم من المنازعة إلى خالق مدبر حكيم يدبرهم بما لا يتهيأ لهم ولا يمكنهم جحده وهذا إجماع أهل السنة والحمد لله وإنما اختلفوا فيمن مات وهو طفل لم يدرك من أولاد المؤمنين والكافرين على ما نوضح بعد الفراغ من القول في الفطرة التي يولد المولود عليها واختلاف أهل العلم في معناها إن شاء الله. اهـ
وقال شيخ الإسلام: الوجه الثالث: أن الإقرار بالله قسمان فطري و إيماني، فالفطري: وهو الاعتراف بوجود الصانع ثابت في الفطرة كما قرره الله في كتابه في مواضع، وقد بسطت القول فيه في غير هذا الموضع فلا يحتاج إلى دليل بل هو أرسخ المعارف وأثبت العلوم وأصل الأصول.
وأما االإقرار بالرسول فبأدنى نظر فيما جاء به أو في حاله أو في آياته أو نحو ذلك من شؤونه يحصل العلم بالنبوة أقوى بكثير مما يحصل بالمطالب القياسية والوجدية في الأمور الإلهية. اهـ (2/ 72)
وأما كون اليهود و النصارى يولدون على الفطرة
فأقول نعم وهو منطوق الحديث: كل مولود يولد على الفطرة.
وهذا الحديث جاء بروايات منها طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عند الترمذي: كل مولود يولد على الملة.
(يُتْبَعُ)