فهرس الكتاب

الصفحة 9924 من 20085

وخير شاهد على ذلك ما وقع يوم أرسل المتصوفة كتائب الجويش لمقاومة"الحركة الوهابية"في الحجاز بقيادة ابراهيم باشا، قبل قرنين من الزمان أو يزيد! حملوا عليهم وأجلبوا عليهم بالخيل والرجل والسلاح لما رأوهم يعلو أمرهم وشوكتهم وتتوسع دعوتهم في البلاد لتدخل الى مكة والمدينة، بلاد الحرمين الشريفين! فحينئذ خرج ما في القلوب، واحتدمت نيران الخلاف العقدي، وبعث محمد علي بابنه على رأس سرية كبيرة لا لمحاربة الانجليز، ولا لمحاربة اليهود والنصارى، وانما لمحاربة الوهابيين!! لماذا؟ لأنهم قوم خرجوا يزيلون الشرك وعلائمه ويطمسون القباب المشرفة ومعالم الأضرحة في تلك البلاد المقدسة، كما كان دأب الصحابة والتابعين في القرون الفاضلة، قبل أن يصبح الشرك وعبادة القبور شعارا لأمة التوحيد!! فهم بذلك قوم يعتدون على ما قدسه هؤلاء وعظموه أيا ما كان ذلك، بحق كان ذلك التقديس أو بباطل! وهذا ما جعلهم - الوهابيين - وبطبيعة الحال عدوا يجب أن يحارب ولو بالسلاح، ويوقف مده وتوسعه وتبتر دعواه!!

فهذه سنة كونية ماضية، رضينا أم أبينا! وليس علاجها بأن نقول للناس فلندع عقائدنا وراء ظهورنا ولنتجاهلها لأنها تشعل بيننا الخلافات!! كيف وما يتحرك المرء أصلا وما يخطو خطوة واحدة الا بدافع ينبع من الاعتقاد؟؟ أنت لا تفعل الخير الا لأنك تعتقد أنه خير، سواءا كان خيرا في ذاته حقيقة أم لم يكن كذلك!! ولا تتجنب الضر والفساد الا عن اعتقاد في أنه باطل وفساد، كان كذلك حقا أو لم يكن!! فكيف يقال للعربة التي تجرها الدابة، تقدمي أنت الى الأمام واجعلي الدابة خلفك؟؟

بل الصواب ان يقال أصلحي أيتها العربة دابتك، وانظري الى أين تجرك!! فان صلحت تلك الدواب جميعا، توحد طريق العربات جميعا! وما كانت دعوة الانبياء والمرسلين الا هكذا! اصلاح العقيدة وغرس المعتقد الصحيح أولا!!

أما القتال ضد المستعمر ومحاربة الغاصب للأراضي والبلاد فهذه وان كانت فرض عين على أهل البلاد المغتصبة، الا أنها ضرورة قد لا تنطلق في جميع الأحوال من منطلق عقدي! فأنت ان هاجمك رجل وأراد العدوان على بيتك وأهلك فلن تتردد في دفعه وقتاله وان كنت ملحدا لا دين لك ولا كتاب!! وان وجدت ان بيتك لن يسلم لك الا بالتعاون مع مخالف لك في العقيدة، في سبيل دفع ذلك المعتدي، فلن تتردد في ذلك! هذا أمر فطري! ولكنه أبدا لا يعني ذوبان العقائد في القلوب وانمحاقها!! فعند انجلاء الأمور، وتحرك كل فئة في نشر دعواها بين الناس والانتصار لها _بحق كان ذلك أو بباطل)، يظهر حينئذ شدة حرص كل صاحب عقيدة على نصر عقيدته واعلاء كلمتها في الأرض، وان كان ذلك ببذل النفس والدم!

وأعني بالعقيدة أصول الدين وثوابته الكبرى، كالاعتقاد في الله تعالى وأمور الغيب، لا المسائل الفرعية التي يسوغ فيها الاجتهاد! وخروج فئات تصور تلك الأصول الكبرى على أنها مسائل يسوغ فيها الاجتهاد وبالتالي فعلى الناس أن يتجاهلوها وينبذوا الخلاف فيها، هذا مرض عقلي وفقهي ولا شك، لأن الصواب ان يقدر كل شيء بقدره الصحيح، لا على فهومنا نحن ولكن على فهوم أئمة الأمر وسادته، الصحابة رضي الله عنهم .. فهؤلاء الدعاة الى تمييع الثوابت وتلبيسها ثوب المسائل الخلافية التي يتسع فيها الأمر لجميع أقوال المخالفين، هؤلاء مساكين مخدوعون، يخادعون حتى أنفسهم! فكل أمر عظيم عند جماعة من البشر فانهم لا يقبلون أن ينتشر بين الناس أي دعوى تخالفه أو تقوضه، وان زعموا خلاف ذلك!! وكلما زاد عظم الأمر في قلوبهم كلما زاد بغضهم لمخالفهم فيه وعداوتهم له! حتى دعاة حرية الكلمة وحرية التعبير والاعتقاد من بين سفهة الملاحدة الغربيين في زماننا، فانك تراهم يعظم عندهم هذا المعتقد نفسه جدا، ويحاربون - ولا بد - كل من يدعو الى أمر يهدم عليهم باطلهم هذا ويكشف للناس فساده!! ولو تركوا من يخالفهم يعلو ويصل بحججه الى الخلق فلن تبقى لهم بين الناس حظوة ولا سيادة وسينفض الناس من حول سادتهم ولن يقبلوا بعد ذلك بضاعتهم!! فالصراع واقع لا محالة!!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت