وقال ابن الحاج: (( وأمّا الدفّ والرقص بالرجل وكشفُ الرأس وتخريق الثياب فلا يخفى على ذي لبٍّ أنه لعبٌ وسُخْفٌ ونبذٌ للمروءة والوقار ولِما كان عليه الأنبياء والصالحون .... ولو لم يكن في السماع والرقص شيء يُذمّ إلا أنه أول من أحدَثَه بنو إسرائيل حين اتخذوا العجلَ إلهًا من دون الله تعالى فجعلوا يغنّون بين يديه ويُصفّقون ويرقصون ... فهم أصلٌ لما ذُكر وما كان هذا أصله فينبغي بل يتعيّن على كلّ عاقل أن يهربَ منه ويولّي الظهر عنه إنْ كان عاجزًا عن تغييره، وأمّا إن كان له قدرة على ذلك فيتعين عليه والله الموفّق.
وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل والباطل في النار.
وقال ابن القاسم: سألتُ عنه مالكًا فقال: قال تعالى (فماذا بعد الحقّ إلا الضلال) أفحقٌّ هو؟! )) .انتهى [المدخل 3/ 110ـ118]
8ـ (( وسُئل الإمام القاضي أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصُّوفية؟ وأُعْلِمَ - حرس اللهُ مُدَّتَه - أنه اجتمع جماعة من الرجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم ثمَّ إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًَّا عليه، ويحضرون شيئًا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين يرحمكم الله.
الجواب: - يرحمك الله - مذهبُ الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الرقص والتواجد فأوَّل من أحدثه أصحاب السامري، لمّا اتّخَذَ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون فهو دينُ الكفار وعبّاد العجل، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى، وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور قي المساجد وغيرها، ولا يحلُّ لأحدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق )) .انتهى [من تفسير القرطبي (11/ 237 - 238) ]
9ـ (( وقد ذُكرَ أنّ بعض الناس عمَلَ فتوى وكان ذلك في سنة إحدى وستين وستمئة ومشى بها على الأربع مذاهب ولفظها: ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين وعلماء المسلمين وفّقهم الله لطاعته وأعانهم على مرضاته، في جماعة من المسلمين وردوا إلى بلدٍ فقصدوا إلى المسجد وشَرَعوا يصفّقون ويُغنّون ويرقصون تارةً بالكفّ، وتارةً بالدّفوف والشبابة فهل يجوز ذلك في المسجد شرعًا أفتونا مأجورين يرحمكم الله تعالى.
فقالت الشافعيّة: السماع مكروه يشبه الباطل مَنْ قال به تُرَدُّ شهادته والله أعلم.
وقال المالكيّة: يجبُ على ولاة الأمور زجرهم وردعهم وإخراجهم من المساجد حتى يتوبوا ويرجعوا، والله أعلم.
وقالت الحنابلة: فاعلُ ذلك لا يُصلّى خلفه ولا تُقبل شهادته ولا يُقبل حكمه وإنْ كان حاكمًا. وإنْ عُقِدَ النكاح على يده فهو فاسد، والله أعلم.
وقالت الحنفيّة: الحُصُرُ التي يُرقص عليها لا يُصلّى عليها حتى تُغسل والأرضُ التي يُرقصُ عليها لا يُصلّى عليها حتى يحفر ترابها ويُرمى، والله أعلم )) .انتهى [المدخل 3/ 99]
10ـ وقال القرطبي المُفسِّر الصوفي في تفسيره"الجامع لأحكام القرآن"7/ 348 عند تفسيره لقوله تعالى:
{إنما المؤمنون الذين إذا ذُكرَ الله وَجِلَت قلوبهم وإذا تُلِيَت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربّهم يتوكّلون}
فقال رحمه الله:"وصَفَ الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوَجَل عند ذكره. وذلك لقوّة إيمانهم ومراعاتهم لربّهم، وكأنّهم بين يديه. ونظير هذه الآية {وبشّر المُخبتين، الذين إذا ذُكرَ الله وجلت قلوبهم} وقال: {وتطمئنّ قلوبهم بذكر الله} فهذا يرجِعُ إلى كمال المعرفة وثقة القلب. والوَجَل: الفزع من عذاب الله؛ فلا تناقض. وقد جمعَ الله بين المعنيين في قوله {الله أنزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مَثَانيَ تقشعرُّ منه جلود الذين يخشون ربهم ثمّ تلينُ جلودُهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله. فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته؛ لاكما يفعله جُهّال العوامّ والمبتدعة الطَّغام"
(يُتْبَعُ)