فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فقال عراك بن مالك: ما أحد أكرم على الله من ملائكته، هم خدمة دارَيْه، ورسله إلى أنبيائه، واستدل بقوله تعالى: (ما نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عن هذه الشَّجرة إلاَّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) [الأعراف: 20] .
فقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي: ما تقول أنت يا أبا حمزة؟ فقال: قد أكرم الله آدم فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعل من ذريته الأنبياء، والرسل ومن يزوره الملائكة.
فوافق عمر بن عبد العزيز في الحكم واستدل بغير دليله"."
وهذا الذي ذكره ابن كثير من كلام عمر بن عبد العزيز وجلسائه في هذه المسألة يبين الخطأ ما قاله تاج الدين الفزاري، حيث يقول:"هذه المسألة من بدع علم الكلام، التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من أعلام الأئمة" (2) ، بل قد ثبت أن بعض الصحابة تكلموا في شيء من ذلك، فهذا عبد الله بن سلام يقول:"ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد. فقيل له: ولا جبريل ولا ميكائيل؟"
فقال للسائل:"أتدري ما جبريل وميكائيل؟ إنما جبريل وميكائيل خلق مسخر كالشمس والقمر، وما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم". رواه الحاكم في مستدركه وصححه هو والذهبي (3) .
الأقوال في المسألة:
يذكر شارح الطحاوية أنه ينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وأن المعتزلة يفضلون الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين، منهم من يفض الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف، ولا يقطع في ذلك قولًا، وحكي عن بعضهم ميل إلى تفضيل الملائكة، وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية.
وقالت الشيعة: إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة. ومن الناس من فصّل تفصيلًا آخر.
ولم يقل أحد ممن له قول يؤثر: إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض، وذكر أن أبا حنيفة، رحمه الله، توقف في الجواب عن هذه المسألة، وإلى التوقف جنح شارح الطحاوية رحمه الله (4) .
وذكر السفاريني (5) أنّ الإمام أحمد، رحمه الله، كان يقول:"يخطئ من فضَّل الملائكة، وقال: كل مؤمن أفضل من الملائكة".
موطن النزاع:
لا خلاف في أن الكفرة والمنافقين غير داخلين في المفاضلة، فهؤلاء أضل من البهائم: (أولئك كالأنعام بل هم أضلُّ) [الأعراف: 179] .
ولا نعني بالمفاضلة: التفضيل بين حقيقة البشر وحقيقة الملائكة،وإنّما المفاضلة بين صالحي البشر والملائكة، وإن ذهب بعض الناس إلى أن الملائكة أفضل من سائر المؤمنين، والنزاع عندهم في المفاضلة بين الأنبياء والملائكة.
حجة الذين يفضلون صالحي البشر على الملائكة:
بعد أن حررنا محل النزاع نبين حجة الذين ذهبوا إلى تفضيل البشر.
الدليل الأول: أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، فلولا فضله لما أمروا بالسجود له: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس أبى واستكبر) [البقرة: 34] .
ورد بعضهم أن السجود كان لله، وآدم إنما كان قبلة لهم، ولو كان هذا صحيحًا لقال: اسجدوا إلى آدم، وما قال: (اسجدوا لآدم) [الإسراء: 61] .
ولو كان المقصود اتخاذ آدم قبلة لما امتنع من السجود، ولما زعم أنّه خير من آدم، فإنّ القبلة تكون أحجارًا، وليس في اتخاذها قبلة تفضيل لها.
صحيح أن سجود الملائكة لآدم كان عبادة لله، وطاعة له، وقربة يتقربون بها إليه، إلا أنه تشريف لآدم وتكريم وتعظيم.
ولم يأتِ أن آدم سجد للملائكة، بل لم يؤمر آدم وبنوه بالسجود إلا لله رب العالمين؛ لأنّهم - والله أعلم - أشرف الأنواع، وهم صالحوا بني آدم، ليس فوقهم أحد يحسن السجود له إلا الله رب العالمين.
الدليل الثاني: قوله قصصًا عن إبليس: (أَرَأَيْتَكَ هذا الَّذي كرَّمت عَلَيَّ) [الإسراء: 62] فإن هذا نص في تكريم آدم على إبليس إذ أمر بالسجود له.
الدليل الثالث: أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق الملائكة بكلمته.
(يُتْبَعُ)