والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر؛ فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج، والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة).
· وقال أبو الحسن البقاعي: ( {إلا ما ظهر منها} أي: كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه؛ فبدا من غير قصد، كالسوار والخاتم والكحل، فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها، ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها) .
· وقال أبو الفضل الآلوسي: (يجوز أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: {إلا ما ظهر منها} من الحكم الثابت بطريق الإشارة؛ وهو المؤاخذة في دار الجزاء، ويكون المعنى: أن ما ظهر منها من غير إظهار كأن كشفته الريح مثلًا؛ فهن غير مؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة ومعالجة طبيب) .
· وقال العلامة الشنقيطي:(وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضًا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب؛ يدل على أنه هو المراد في محل النزاع، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان الذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية، التي نحن بصددها.
أما الأول منهما، فبيانه أن قول من قال في معنى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلًا، توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحل، والحلل، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان، خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادًا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى: {يا بني آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لها} وقوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا} وقوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السماء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب} وقوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} الآية. وقوله تعالى: {فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} الآية. وقوله تعالى: {المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا} الآية. وقوله تعالى: {إنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ} الآية. وقوله تعالى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة} وقوله تعالى عن قوم موسى: {ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ} وقوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} ، فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء، وهو ليس من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب، كقول الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل
وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر.
وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة، كالكحل، والخضاب، ونحو ذلك.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود رضي الله عنه: أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا: إن هذا القول هو الأظهر، لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء. ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها، ورؤية عن أعظم أسباب الافتتان بها كما هو معلوم، والجاري على قواعد الشرع الكريم؛ هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي) .
هذا ما أراد الله توضيحه وبيانه على عجالة محققة في هذا الموضوع .. ويعلم الله لأن فيه خيرًا كثيرًا، وفهمًا سليمًا، لكل من أراد الحق وطلبه، بعيدًا عن التعصب والتهجم والتحذلق والعناد .. وقد تركت أضعاف ما كتبت .. فكان شرطي أن أذكر ما قاله أهل التفسير في كتبهم فقط مما وافق الحق في معنى الآية.
والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على نبينا ورسولنا محمد.
(يُتْبَعُ)