قلت: كيف يستدل بهذا الأثر وإسناده ضعيف!، لأن في الإسناد ابن جريج المكي مدلس، ولم يصرح بالسماع من شيخه عطاء، وقال الدارقطني رحمه الله: تجنب تدليسه، فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح.
وكذلك استدلالهم بحديث أن أبا بكر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما دخلا المسجد والإمام راكع فركعا , ثم دبا وهما راكعان حتى لحقا بالصف، فهو أثر ضعيف بل منقطع، لأن أبا بكر بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر الصديق رضي الله عنه.
وكذلك استدلالهم بأثر ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إذا جئت والإمام راكع , فوضعت يديك على ركبتيك قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت.
قلت: هو أثر ضعيف أيضا، فيه ابن جريج، وهو مدلس ولم يصرح بالسماع من نافع، وقد قال فيه أحمد بن صالح المصري: إذا أخبر الخبر فهو جيد، وإذا لم يخبر، فلا يعبأ به.
إذن الثابت من هذه الأثار هو أثر ابن مسعود، وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، وهو منهما اجتهاد في مقابل ما اجتهد من بقية أصحاب القول الآخر من الصحابة أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، وكما هو معروف لديكم أن قول الصحابي فيما يجوز فيه الاجتهاد ليس بحجة، فكيف إذا خالف بعض الصحابة!، وليس قول بعضهم بحجة على الآخر، ودعوي إجماع الصحابة في هذه المسألة غير صحيحة، فتنبه جزاك الله خيرا.
الوقفة الخامسة: قولهم بأن المراد بنهي النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة رضي الله عنه عندما قال له: (( زادك الله حرصا ولا تعُد ) )هو الإسراع في المشي ليس إلا، وأستدلوا بحديث أبي بكرة رضي الله عنه في رواية عند الإمام أحمد بلفظ: جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر، يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من الساعي؟ ) )قال أبو بكرة: أنا، قال: (( زادك الله حرصا، ولا تعد ) ).
قلت: لا يُفرح بهذه الراوية، ففي إسنادها بشار الخياط، ضعفه ابن معين والإمام الذهبي، وكذلك ما جاء في رواية عند الإمام الطحاوي في مشكل الأثار بلفظ: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم راكعا، وقد حفزني النفس، فركعت دون الصف، ثم مشيت إلى الصف، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: (( أيكم الذي ركع دون الصف؟ ) )قال أبو بكرة: قلت: أنا قال: (( زادك الله حرصا ولا تعد ) )أيضا هو حديث ضعيف في إسناده بكار بن قتيبة لم يوثقه إمام معتبر، وكذلك بما جاء عند ابن السكن في صحيحه بلفظ: أقيمت الصلاة فانطلقت أسعى حتى دخلت في الصف، فلما قضى الصلاة، قال: (( من الساعي آنفا؟ ) )، قال أبو بكرة: فقلت: أنا، فقال: (( زادك الله حرصا ولا تعد ) )، قلت: من الإنصاف أن أقول بأن هذا الحديث الأخير لم يُنظر في إسناده، لأن الكتاب مفقود، فيقال لمن احتج بهذا الحديث لمذهبه أن يقال له أثبت بأن الحديث صحيح أولا.
الوقفة السادسة: قولهم بأن لفظة: (( ركعة ) )الذي ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة ) )بأن المقصود من هذا الحديث هو الركوع، وأيدوا هذا الحمل برواية ابن خزيمة بلفظ: (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه ) )وبما جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا جئتم والإمام راكع، فاركعوا، وإن كان ساجدا فاسجدوا، ولا تعتدوا بالسجود إذا لم يكن معه الركوع ) ).
قلت: استدلالهم بهذه الأحاديث فيه عدة ملاحظات:
أولها: أن المقصود من هذا الحديث الوارد في صحيح البخاري هو بيان إدراك فضل الجماعة فقط، وليس المقصود منه قطعا بإدراك الركوع، ويؤيده ما جاء في رواية لمسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة ) ).
(يُتْبَعُ)