وروي في ذلك أيضا حديث:"إن مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تكفأها الرياح يمينا وشمالا"مثله بأن الرياح تأتي من هنا ومن هنا فتميل بها من هنا، وتميل بها من هنا، يشير إلى الآفات والمصائب التي تحصل للمؤمن، ومثل الكافر بأنه كشجرة الأرز التي لا تحصد إلا مرة واحدة؛ الكافر لا يصيبه شيء إلا مرض الموت عادة، وإن كان قد يصيبه في بعض الأحيان زيادة في عقوبته.
وكذلك ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، ومن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط"لا شك أن هذه البشرى للمؤمن الذي يبتليه الله تعالى دليل على أنه يعظم جزاءه، عظم الجزاء مع عظم الأجر، عظم الجزاء مع عظم البلاء"إذا أحب الله قوما ابتلاهم"إذا أراد الله بهم خيرا ابتلاهم:"فمن رضي؛ فله الرضا ومن سخط؛ فله السخط".
فذلك كله مما يفرح المسلم بهذه الدنيا، لأنه إذا ابتلي؛ فإنه ممن أراد الله تعالى به خيرا، وأنه ممن يكفر الله عنه ما يقع فيه، كما روي أن أبا بكر - رضي الله عنه- سمع آية في سورة النساء هي قوله تعالى: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/start.gif مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/end.gif [ النساء:123] فقالوا يا رسول الله: هذه قاصمة الظهر، إذا كان كل من عمل شيئا فإنه يجزى به، نحن سنجزى بالسوء الذي عملناه قديما أو حديثا، فبشرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الجزاء الذي تجزون به هو ما ينالكم في الدنيا من الهم والغم والألم والمصائب والحزن وما أشبه ذلك، وبشرهم أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم:"ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه".
فقال: هذا هو الذي تجزون به، http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/start.gif مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/end.gif أي يجازيه الله به في الدنيا؛ فإن كان مؤمنا؛ جازاه الله في الدنيا، وكان ذلك الذي يصيبه من الهم ونحوه جزاء ما عمله من السوء.
وأما إن لم يكن مؤمنا؛ فإنه تؤخر له سيئاته حتى يجازى بها، في الآخرة عذاب أليم شديد -والعياذ بالله- فكثير من السلف كانوا يفرحون بالبلاء كما يفرح غيرهم بالنعمة.
ومن أراد التوسع في ذلك؛ فليقرأ كتاب ابن القيم الذي سماه عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين أوله: يتعلق بالصبر وبالمصائب، وبما يحصل من أثر الصبر والتحمل، وآخره: يتعلق بالشكر، فالصبر يكون على المصائب، والشكر يكون على النعم وعلى الخيرات، وكلاهما فيه أجر، وفيه خير للمؤمن.
ولا شك أن المؤمن لما يلتزم بالصبر على ما يصيبه، وأن يكون ممن يقوم بأمر الله، ويعمل بما أمر به، ويظهر دينه، ويظهر ما ألزم به، ولا يبالي ولا يخاف في الله لومة لائم؛ فلذلك يكون حقا من القائمين بأمر الله تعالى، ومن الذين ينالهم الأجر.
ففي قوله - فيما أخبر الله تعالى به من المصائب ونحوها- http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/start.gif أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/end.gif [ العنكبوت:2] الفتنة تكون عند إظهار الدين، فلو أن الناس كلهم جهلوا، وسكتوا، واقتصروا على أنفسهم، ولم يتدخلوا في أمور الناس، ولم يأمروا بالخير، ولم يدعوا إليه؛ لظهر الشر وتمكن، وأصبح الأشرار يسومون الناس سوء العذاب، وأصبح أهل الخير أذلاء مغمورين مقهورين ليس لهم تصرف، وليس لهم أية اختيار.
أما إذا عرف أهل الخير أنهم مكلفون بأن يدعوا إلى الله تعالى، وبأن ينكروا على من خالف الطريق السوي المستقيم، وبأن يجهروا بدينهم، ويظهروا الإنكار على من خالف الحق، ولو كان ما كان، ويتحملوا ما يحدث لهم فإنهم -والحال هذه- يصيرون بذلك قد أظهروا أمر الله تعالى، وأطاعوه فيما كلفهم وفيما أمرهم.
(يُتْبَعُ)