إذن ينبغي ألا يُتوهم أن الأذان مشروع - فقط- من أجل إعلام الناس
الذين هم حول المسجد بدخول الوقت ... لا، بل
*يُشرع الأذان حتى في الصحراءحيث لاترى بعينك إنسانا
فقد يقول جاهل: لمن يؤذن في هذه الصحراء؟
يأتيك البيان في حديث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- السابق.
الأذان جزء من الصلاة أي مشروع فكما أنه لا يجوز
لنا أن نصلي ونترك الواجبات التي أمرنا بها في الصلاة كذلك
لا ينبغي لنا أن نصلي بدون أذان فكل صلاة لابد لها من أذان
(للفريضة فقط.)
و يُروي عن بعض السلف خطأً أنه حين صلى في بيته إماما؛
صلى أو هَمَّ أن يُصلي بدون أذان
فقيل له: ألا تؤذن؟
قال:أذانُ الحي يكفينا.
هذا ليس صحيحا بل الصحيح هو أنه لابد لكل مَنْ يُصلي
الفرض أن يؤذن له كما أنه لابد أن يُقيم له
وهذا عام لايختص به الرجال دون النساء.
قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- لمالك بن الحويرث:
"فإذا حضرت الصلاة فليُؤذن لكم أحدكم":
*واحد ليس على التعيين بينما يُشترط في الإمامة تعيين واحد
فلا يشترط في المؤذن أن يكون أعلم الحاضرين، أفقههم، أقرأهم
مما يشترط للإمام.
إنما يُستحسن ويُستحب أن يكون المؤذن صَيتا,
يكون صوته رفيعا نديا؛ بحيث أنه يبلغ صوته إلى أبعد مدى ممكن
فهو من هذه الناحية يُرجح على غيره،
وهذا مما دلَّ عليه حديث مشروعية الأذان الذى خلاصته
أن الصحابة في العهد الأول مع الرسول-عليه الصلاة والسلام-
كانوا يجتمعون للصلاة بدون أذان ثم جمعهم الرسول-عليه الصلاة والسلام -
وشاورهم في أن يتخذوا شعارًا للإعلام بدخول وقت الصلاة:
فاقترح أحدهم أن يتخذوا نارًاعظيمة يوقدونها حينما يدخل
وقت الصلاة فأبى ذلك الرسول-عليه الصلاة والسلام-
وقال:"النار شعار المجوس"، فاقترح ثان الضرب بالبوق
فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-:"هذا صنيع اليهود"
، واقترح ثالث الضرب على الناقوس فقال-عليه الصلاة والسلام-:
"هذا شعار النصارى"وتفرقوا على لا شيء، وفى الليل
رأى أحد الصحابة واسمه: عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري
رؤيا خلاصتها: أنه كان يمشي في المدينة وإذا به يرى
رجلا بيده ناقوسا فقال له عبد الله بن زيد:
يا عبد الله أتبيعني هذا الناقوس؟
قال: لِمَ؟
قال: لنضرب عليه وقت الصلاة.
قال: أفلا أدلك على ماهو خير من ذلك؟
وقام على جذر جدْر"أي: على بقية جدار متهدم"
-نعرف من الواقع أنه عند انهدام جدار أنه يبقى به جزء بارز -
بحيث ارتفع قليلا"ووضع يديه على أذنيه وأذن الأذان المعروف اليوم"
-بدون طبعا زيادة في المقدمة وفي المؤخرة -
ثم نزل إلى الأرض وأقامَ الصلاة.
فقصَ هذه الرؤيا على رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-
فقال له:"إنها رؤيا حق فألقه على بلال فإنه أندى صوتا منك"وهنا الشاهد: أندى أي: أرفع
لذلك فلا يشترط في المؤذن أن يكون له شروط أو أوصاف
يتميز بها عن غيره وإنما يستحب أن يكون صيّتا
رفيع الصوت لأجل التبليغ؛ لذلك قال رسول الله
-صلى الله عليه وآله وسلم- (فليؤذن لكم أحدكم)
لا على التعيين.
أما في الإمامة فقال:"فليَؤمكم أكبَرُكُم"
يُشترط في الإمام إذا كانوا اثنين فصاعدا أن يكون الإمام
هو أكبر الجماعة.
هل المقصود بالأكبرهنا سنا أم جاها و منزلة؟
أكبركم يعني سِنًا؛ لأنه قد جاء التصريح بذلك في بعض
الأحاديث الصحيحة مع جملة شروط أخرى لابد أن تُراعى
فى تقديم الإمام أو أحد الجماعة على الآخرين
ذلك هو قوله-عليه الصلاة والسلام-:
"يَؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء"
فأعلمهم بالسُنَّة فإن كانوا في السُنَّة سواء فأكبرهم سنا
-هنا صرح رسول الله - فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم هجرة"."
هذا الحديث زاد على حديثنا, فحديثنا ذكر منقبة واحدة فقط
فى الإمام إذا وُجدت فيه فهو أحق من غيره وهى كبر السن
أما الحديث الثانى فقد وضع المنهج بتمامه.
حيث قال عليه الصلاة والسلام:
"يَؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"
والمقصود هو ظاهر الحديث, ليس المقصود بـ"أقرؤهم":
هو أعلمهم وإنما أحفظهم للقرآن بدليل أنه عقب على ذلك
"فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُنَّة فإن كانوا في السُنَّة"
سواء فأكبرهم سنا فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم هجرة""
يعني إذا جماعة في ذاك الزمان هاجروا من مكة إلى المدينة
فأقيمت الصلاة فيؤمهم أقرؤهم لكتاب الله .... فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم هجرة.
** لكن الظاهر أن الهجرة في الحديث ليست
مخصوصة بالهجرة من مكة إلى المدينة فقط بل هذا حُكم عام
بمعنى: لو فرضنا أن جماعة هاجروا من بلادهم مثل
الصرب و الألبان و اليوغسلاف تركوا بلادهم هناك
وهاجروا إلى البلاد الشام أو نحو ذلك من البلاد التى لايزال
الإسلام فيها قائما أكثر من البلاد التى هاجروا منها فحَضَرَت الصلاة
مَنْ يَؤم؟
على الترتيب السابق: فمن هاجر أولا أحق بالإمامة إذا استووا في الثلاث نقاط الأولى.
-فى هذا الحديث ذكر الرسول-عليه الصلاة والسلام-
خصلة واحدة والظاهر في اقتصاره على هذه الخصلة
؛ أنهم كانوا شببة مُتقاربين، وكانوا في الفقه والقراءة
سواء ولذلك نبههم - فقط - على هذه الخصلة
فقال: (وليؤمكم أكبركم) أي: سنا.
(يُتْبَعُ)