فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا كان بعض المغفلين يزعم أن تقبيل الحجر الأسود نوع من الوثنية فليكن تقبيل الملوك والرؤساء لأعلام دولهم نوعا ً أيضا ً من الوثنية ومن عبادة الأقمشة!!
من قال هذا؟
إذا كان الأمر لا يعدو ترجمة لمشاعر الولاء لله فليس في هذا شيء .. ونحن في هذا نلتزم ما ورد.
ومن حق رب البيت أن يضع طريقا ً لزيارة بيته .. فإذا جعلها طوافا ً من سبعة أشواط فليس في الأمر ما يستغرب.
ففي طول الدنيا وعرضها توضع طرائق شتى للاستقبالات والاستعراضات.
ومن مناسك الحج التي يظنها كثير من الناس غير معقولة:- السعي بين الصفا والمروة وفي بيان الحكمة منه يقول الشيخ:-
إن الإنسان مادي حسي .. والأسباب الحسية هي التي تملكه أو هي التي تحكمه .. يوم يكون في يده مال يقول: مالي في يدي .. فهو يعتز به .. لكن يوم يكون المال وعدا ً في الغيوب .. وأملا ً في المستقبل .. ورجاء عند الله .. فإن قلبه يضطرب .. ويقول ليس معي شيء.
والحق أن الرزق غيب .. ولا يؤمن برزق الله إلا أصحاب الإيمان الراسخ .. والنصر غيب .. ولا يؤمن بنصر الله إلا أصحاب الإيمان الراسخ .. هذا النوع من الإيمان قلما يوجد .. لكنه عدة المصلحين .. كلما أظلم الليل عليهم ولم يجدوا بصيصا ً من نور اطمأنوا إلى أن فجرا ً سيجيء فهم ينتظرون بريقه بثقة.
يشير الشيخ بهذا إلى موقف هاجر عندما تركها زوجها إبراهيم صلوات الله عليه مع ابنها في وادي مكة المجدب والموحش .. حيث لا أنيس ولا جليس ولا زاد .. وليس هناك إلا القدر المرهوب.
وقالت له الزوجة الصالحة: آلله أمرك بهذا؟
قال: نعم.
فقالت: إذن لا يضيعنا.
وبدأ الرضيع يتلوى جوعا ً وعطشا ً .. وبدأت الأم تهرول يمينا ً وشمالا ً .. ثم جاء الملك وغمز بجناحه الأرض فتفجرت زمزم .. وشرب الرضيع .. وشربت الأم .. وبدأ الخير.
أكانت هذه المرأة تدرك أن ابنها هذا سيكون من ذريته نبي خاتم؟
سيكون من ذريته شعب كبير؟
سيكون من أثره حضارة تظلل الأرض برحمتها وسناها؟!!
من هنا يجيء الاختبار .. فإذا كُلِّف الناس أن يفعلوا ما فعلت أم إسماعيل فلكي تتجدد في مسالكهم عواطف الاتكال على الله .. الثقة في الله .. الإيمان بأن ما عنده أهم مما عندي .. ما عندي قد يحرق .. قد يسرق .. لكن ما عنده لا حرق ولا سرق.
وقس على ذلك باقي المناسك .. فالحج عبادة رقيقة محبوبة أساسها الوقوف بعرفة .. والطواف حول البيت .. وبعض شعائر أخرى يمكن استيعابها بيسر دون قلق أو حرج.
وعند التأمل في أصل المنسك وما يتركه في القلب من مشاعر .. وما يستودعه العقلَ من دلالات نقف على الحكم المتعددة التي تستفاد من كل منسك.
ثالثا ًً: الحج وفاء وتلبية وإخلاص:
فالحج وفاء لنداء إبراهيم عليه السلام .. وتلبية لأوامر الله تعالى .. وتجرد وإخلاص لا شرك فيه .. إنهم يجيئون ليترجموا عن وفائهم ويقينهم .. ولتبقى دورات التاريخ متصلة المبنى والمعنى .. لا يمر عام إلا أقبلت الوفود من كل فج كأنها الحمائم تنطلق من أوكارها .. يحثها الشوق إلى مهاد التوحيد وحصنه"ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"الحج: 32.
وليس للطائفين نجوى إلا مع الله وحده .. شغلهم الشاغل ترديد الباقيات الصالحات .. والتقدم بضعف العبيد إلى القوي الكبير أن يجيب سؤالهم ويحقق رجاءهم .. ماذا يقولون؟
سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يدعون"رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"البقرة: 201
إن الوفود القادمة من القارات الخمس على اختلاف لغاتها وألوانها وأحوالها يجمعها شعور واحد .. وتنتظمها عاطفة دينية مشبوبة .. وهي تترجم عن ذات نفسها بتلبية تهز الأودية!
ويتحول ما أضمرته من إخلاص إلى هتاف بسم الله وحده .. لا ذكر هنا إلا لله .. ولا جؤار إلا باسمه! .. ولا تعظيم إلا له! .. ولا أمل إلا فيه! .. ولا تعويل إلا عليه.
إن المسافات تقاربت بل انعدمت .. بين ذكر لله يمر بالفؤاد كأنه خاطرة عابرة .. وبين ذكر لله يدوي كالرعد القاصف من أفواج تتدافع إلى غايتها لا تلوي على شيء .. ولا يعنيها إلا إعلان ولائها لله الذي جاءت لتزور بيته.
إن الإنسانية واحدة من آدم إلى إبراهيم إلى محمد .. شرفُها في معرفتها لله وولائها له وحده .. وجَهْدُ الشيطان تعكيرُ هذه المعرفة وتقطيع ذلك الولاء.
(يُتْبَعُ)