فهرس الكتاب

الصفحة 19450 من 20085

وقد كان إبراهيم نموذجا ً للنبوات الأولى في حرب الأوثان ومطاردة الشيطان .. وقد بني في مكة هذا البيت الخالد شعارا ً للتوحيد .. ومنارا ً للعبادة المجردة .. ثم جاء خاتم المرسلين فأرسى القواعد لألوف مؤلفة من المساجد التي تتبعه في الوسيلة والهدف .. فلا غرابة إذا ارتبطت به وجاء أهلوها في كل عام يجددون العهد.

ولا يقال بحال من الأحوال إن بعض الطقوس والمناسك فيها نوع من الشرك أو الوثنية .. كالطواف بالبيت .. أو تقبيل الحجر .. أو غير ذلك لما تقدم

ولأننا نلتزم في ذلك كله أمر الله وأمر رسوله صلوات الله عليه .. بل كل لمحة من لمحات الحج تشي بالتوجه الصادق والتوحيد الخالص والإخلاص الكامل.

رابعا ً: الحج وحدة وتجرد:-

ليست هنالك شعيرة من شعائر الإسلام يتمثل فيها معنى الوحدة .. كما يتمثل في شعيرة الحج .. حيث القبلة الواحدة والزي الواحد والرب الواحد والهتاف الواحد .. والتجمع الرهيب المهيب يوم عرفة.

يقول الشيخ: إن مناسك الحج تنمية لعواطف المسلمين نحو ربهم ودينهم .. وماضيهم وحاضرهم .. ويكفي أنها تجمعهم من أطراف الأرض شعثا ً غبرا ً لا تفريق بين ملك وسوقة .. ولا بين جنس وجنس .. ليقفوا في ساحة عرفة في تظاهرة هائلةٍ .. الهُتافُ فيها لله وحده .. والرجاء في ذاته .. والتكبير لاسمه .. والضراعة بين يديه .. فقر العبودية ظاهر .. وغنى الربوبية باهر .. ومن قبل الشروق إلى ما بعد الغروب لا ذكر إلا لله .. ولا طلب إلا منه سبحانه.

إن هذه الحشود المتكاتفة يمكن أن تُكَون مظاهرة متلاطمة الأمواج .. الهتاف فيها ليس لبشر .. إنما الهتاف فيها لرب الأرض والسماء .. لا يملأ أذنيك إلا طنينٌ ضخم من كل ناحية بين تلبية وتكبير وتقديس وتمجيد .. الحناجر تنشق بالهتاف لله وحده طلبا ً لرضاه .. وانتظارا ً لجداه .. ورغبة في ثوابه .. ورهبة من عقابه.

وفي موسم الحج تلتقي مكة بالوفود المقبلة من كل فج عميق .. تلتقي بأفراد الإنسانية الموحدة المهتدية المحبة لله.

وللمسجد الأول أبي المساجد في القارات كلها تتصافح الوجوه وتتعارف النفوس على تلبية النداء الصادر بحج البيت .. النداء الذي صدر من قديم .. وزاده الإسلام قوة ووحدة.

ويوم عرفة فريد في معناه ومظهره .. لا تسمع فيه إلا تأوهات التائبين .. وأنين الخاشعين .. وضراعة المفتقرين .. إنها الإنسانية المستجيرة بربها .. النازلة بساحته مؤملة في خزائن لا تنفد .. وعطف لا يغيض.

وذلك أن الحاج إنسان متبتل إلى الله .. متلهف على رضاه .. متطلع إلى مثوبته .. متخوف من عقوبته .. يتحرك كل شيء في بدنه بمشاعر الشوق والرغبة والحب، ولا أعرف تجمعا ً أهلا لرحمة الله ومغفرته كهذا التجمع الكريم.

خامسا ً: الحج ثقة في الله وتوكل عليه:-

إن التوكل شعور نفيس غريب .. وهو أغلى من أن يخامر أي قلب .. إنه ما يستطيعه إلا امرؤ وثيق العلاقة بالله .. حساس بالاستناد إليه والاستمداد منه .. وعندما ينقطع عون البشر .. وتتلاشى الأسباب المرجوة .. وتغزو الوحشة أقطار النفس .. فهلا يردها إلا هذا الأمل الباقي في جنب الله، عندئذ ينهض التوكل يرد الوساوس وتسكين الهواجس.

وإن أبرز شيء في الحج نأخذ منه هذا الدرس هي قصة هاجر زوج إبراهيم وأم إسماعيل .. كما نقلنا عنها سابقا ً قولها لزوجها: آلله أمرك بهذا؟

قال: نعم.

فقالت: إذن لا يضيعنا.

يقول الشيخ معقبا ً على هذا القول: ماذا نفهم من هذا؟

نفهم من هذا أن الإنسان عندما يعتمد على ربه فإنه يعتمد على مصدر القوى ومنبع الخير وسائق الفضل.

وأن الإنسان إذا صدق إيمانه ربا ً توكله .. وازدادت بالله ثقته .. وضعفت علاقاته بالماديات.

وليس معنى انقطاع الإنسان عن كل ما سوى الله أن يتواكل ويستكين .. كلا .. كلا .. إن المرأة لما قالت: لا يضيعنا .. ما استكانت ولا ركنت إلى غير الأخذ بالأسباب .. بل أخذت تهرول وتسعى حتى ساق الله لها الرزق .. وأجرى لها الخير.

فتدخلت السماء وتفجرت زمزم وغنى الوادي بعد وحشة .. وصار الرضيع المحرج أمة كبيرة العدد عظيمة الغناء .. ومن نسله صاحب الرسالة العظمى .. ومن شعائر الله هذا التحرك بين الصفا والمروة تقليدا ً لأم إسماعيل .. وهي ترمق الغيب بأمل لا يغيب.

فما أحوج أصحاب المثل إلى عاطفة التوكل .. إنها وحدها تكثرهم من قلة .. وتعزهم من ذلة .. وتجعل من تعلقهم بالله حقيقة محترمة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت