(2) هذا الأثر إذا حمل على ظاهرِهِ فإنَّهُ يخالف إجماع العلماء إذ فيه إسقاط الظهر والجمعة معًا بفعل العيد و هذا لم يقلْهُ أحدٌ من علماء الأمة، قال بن عبد البر في الاستذكار (7\ 23) (( و روي في هذا الباب عن ابن الزبير و عطاء قول منكر أنكره فقهاء الأمصار و لم يقل به أحد منهم ) )و قال أيضًا (( و على أيِّ حال كان فهو عند جماعة العلماء خطأٌ و ليس على الأصل المأخوذ به ) )أهـ. و قال ابن رُشدٍ في بداية المجتهد (4\ 253) (( و أما إسقاط فرض الظهر و الجمعة التي هي بدله لمكان صلاة العيد فخارجٌ عن الأصول جدًا ) ).
(3) و التحقيق أن ابن الزبير قد صلى الجمعة إلا أنَّهُ قدمها قبل الزوال على مذهب من يرى ذلك و هو أمرٌ ظاهِرٌ من الروايات و مما يدلُّ على ذلك أنّه أخَّر الخروج حتى تعالى النهار و قدم الخطبة ثم صلّى، و في رواية أذَّنَ لها، و في رواية عطاء أنَّهُ (( جمعهما ) )و كلُّ ذلك يشير إلى أنَّهُ صلى الجمعة بشروطها و اكتفى بها عن العيد على مذهب من يرى جواز تقديم الجمعة قبل الزوال و هو رأيٌ ضعيف إلا أنَّهُ محتمل، و ممن تأوَّلَهُ على هذا النحو الإمام الخطابي قال: (و أما صنيع ابن الزبير فإنَّهُ لا يجوز عندي إلا أنْ يُحملَ على مذهب من يرى تقديم الصلاة قبل لزوال) اهـ. عون المعبود (3\ 289) ، و كذلك قاله الإمام ابن عبد البر في الإستذكار (7\ 24)
الترجيح:
القول الأول هو الذي تطمئن له النفس، وذلك: لأنه هو الموافق للأدلة الصحيحة في هذه المسألة وبقية الأقوال لا تسلم من مطعن.
فالقول الثاني: مرجوح للإذن لأهل العوالي بالترخص في ترك الجمعة.
والقول الثالث: أحاديثه التي في الباب لا تسلم من مطعن، وإن كان مقاصد الشرع ترجحه لقول شيخ الإسلام القادم.
وأما القول الرابع وهو قول عطاء؛ فقول مهجور، مخالف لقواعد وأصول الشريعة.
قال ابن المنذر:"أجمع أهل العلم على وجوب صلاة الجمعة، ودلت الأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن فرائض الصلوات خمس، وصلاة العيدين ليست من الخمس". الأوسط (4/ 291) .
وقال ابن عبد البر:"ليس في حديث ابن الزبير بيان أنه صلى مع صلاة العيد ركعتين للجمعة، وأي الأمرين كان، فإنّ ذلك أمر متروك مهجور، وإن كان لم يصل مع صلاة العيد غيرها حتى العصر، فإن الأصول كلها تشهد بفساد هذا القول". التمهيد (10/ 270) .
والله أعلم.
فتاوى العلماء
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
عن رجلين تنازعا في العيد إذا وافق الجمعة فقال أحدهما يجب أن يصلي العيد ولا يصلي الجمعة وقال الآخر يصليها فما الصواب في ذلك
فأجاب الحمد لله إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال
أحدها أنه تجب الجمعة على من شهد العيد كما تجب سائر الجمع للعمومات الدالة على وجوب الجمعة.
والثانى تسقط عن أهل البر مثل أهل العوالى والشواذ لأن عثمان بن عفان أرخص لهم في ترك الجمعة لما صلى بهم العيد
والقول الثالث وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة لكن على الامام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد وهذا هو المأثور عن النبى وأصحابه كعمر وعثمان وابن مسعود وبن عباس وبن الزبير وغيرهم ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف
وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي لما اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة وفى لفظ أنه قال أيها الناس إنكم قد أصبتم خيرا فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون
وأيضا فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة فتكون الظهر في وقتها والعيد يحصل مقصود الجمعة وفى إيجابها على الناس تضييق عليهم وتكدير لمقصود عيدهم وما سن لهم من السرور فيه والانبساط
فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال ولأن يوم الجمعة عيد ويوم الفطر والنحر عيد، ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما في الأخرى كما يدخل الوضوء في الغسل وأحد الغسلين في الآخر والله أعلم.
انظر مجموع الفتاوى (24/ 210 - 211)
(يُتْبَعُ)