فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثم إن هذا الحديث لم ينفرد بروايته سعد بن سعيد، بل رواه صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد، أخو سعد المذكور، وعبد ربه بن سعيد، وعثمان بن عمر الخزاعي.
ويقال أيضا: إن الإمام مسلما قد خرج حديث سعد هذا في صحيحه، ومسلم إنما احتج بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطئ فيه بقرائن ومتابعات ولشواهد دلته على ذلك، وإن كان قد عرف خطأه في غيره، فكون الرجل يخطئ في شيء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطئ فيه، وهكذا حكم كثير من الأحاديث التي خرجاها، وفي إسنادها من تكلم فيه من جهة حفظه، فإنهما لم يخرجاها إلا وقد وجدا لها متابعا.
وهاهنا دقيقة ينبغي التفطن لها، وهي أن الحديث الذي روياه أو أحدهما واحتجا برجاله أقوى من حديث احتجا برجاله: ولم يخرجاه، فتصحيح الحديث أقوى من تصحيح السند.
والعلة الثانية التي ذكرها الكاتب - وفقه الله: من أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان لكيلا يختلط بصوم رمضان صوم غيره.
فالجواب عنها: أن صوم الست من شوال قد جاءت السنة به، وهذه المفسدة يمكن دفعها بتأخير صيام الست من شوال قليلا حتى يفصل بين صيام رمضان وصيام الست من شوال، وإذا أمنت المفسدة فلا بأس بصيامها بعد يوم العيد مباشرة.
أما العلة الثالثة التي ذكرها الكاتب وهي أن الرسول لم يصمها، ولا أحد من الصحابة، ولا التابعين، ونقل قول الإمام مالك (ما رأيت أحدًا من أهل الفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه) .
فالجواب عنها من وجوه:
الوجه الأول: أن يقال إن عدم النقل لا يعني نقل العدم، بمعنى أن كون ذلك لم ينقل إلينا لا يعني أنه لم يقع.
الوجه الثاني: أن طرد هذا التنظير يعني رد الجميع السنة القولية، وهذا باطل بلا شك.
الوجه الثالث: أن الأصل ثبوت الدليل، فإذ قد صح الحديث فإن العمل به مشروع وسنة، ولو لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه صلى الله عليه وسلم قد يأمر بالشيء ويحث عليه، ويترك العمل به، مخافة أن يفرض على أمته، يقول الإمام ابن خزيمة رحمه الله: باب ذكر علة قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك لها بعض أعمال التطوع، وإن كان يحث عليها، وهي خشية أن يفرض عليه ذلك الفعل، مع استحبابه صلى الله عليه وسلم ما خفف على الناس من الفرائض.
وساق تحت هذا الباب حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك العمل، وهو يحب أن يفعله، خشية أن يستن به، فيفرض عليهم، وكان يحب ما خف على الناس من الفرائض) وأصل الحديث في صحيح مسلم.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد صرح بهذا، لما قام بعض الليالي في رمضان ومعه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ثم ترك الخروج إليهم، وعلل ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (قد رأيت ما صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم) أخرجه البخاري ومسلم.
وأما ما نقله الكاتب من كلام للإمام مالك رحمه الله فقد بين العلماء معناه ووجهوا كلامه رحمه الله واعتذروا له: فإن هذا القول منه رحمه الله جار على أصله في الاحتجاج بعمل أهل المدينة وكون أهل المدينة في زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له وقد عمل به أحمد والشافعي وابن المبارك وغيرهم. قال مطرف: كان مالك يصومها في خاصة نفسه، وقال: وإنما كره صومها لئلا يلحق أهل الجاهلية ذلك برمضان. فأما من يرغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه قال ابن عبد البر: لم يبلغ مالكًا حديث أبي أيوب على أنه حديث مدني والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه والذي كرهه مالك قد بينه وأوضحه: خشية أن يضاف إلى فرض رمضان وأن يسبق ذلك إلى العامة وكان متحفظًا كثير الاحتياط للدين وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله، وقال القاضي عياض: أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء، وروي عن مالك وغيره كراهية ذلك ولعل مالكا إنما كره صومها على ما قال في الموطأ: أن يعتقد من يصومه أنه فرض، وأما على الوجه الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم فجائز.
(يُتْبَعُ)