فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمها ادعاء يحتاج إلى دليل لكثرة صيامه النفل فقد كان يواصل الصوم حتى يقال لا يفطر أخرجه البخاري (1868) ومسلم (1156) وعلى فرض عدم صوم النبي صلى الله عليه وسلم لها لا يدل ذلك على عدم مشروعيتها لأن السنة القولية حجة شرعية، ولذلك يشرع صوم يوم وإفطار يوم مع عدم ثبوت فعل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ذلك أفضل الصيام كما أخرجه البخاري (1079) ومسلم (1159) ومخالفة بعض الأئمة الحديث لعذر كعدم بلوغ الحديث لهم لا يسوغ لنا ترك الحديث، فإن العبرة بالأدلة الشرعية لا بالأقوال المجردة للأئمة، ولذلك وجدنا من أتباع الإمام مالك من لا يوافقه في هذه المسألة، ويعتذر عن الإمام بعدم بلوغ النص له.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان 7/ 361:"ولا شك أن مذهب مالك المدون فيه فروع تخالف بعض نصوص الوحي، والظاهر أن بعضها لم يبلغه رحمه الله ولو بلغه لعمل به، وأن بعضها بلغه وترك العمل به لشيء آخر يعتقده دليلا أقوى منه، ومن أمثلة ما لم يبلغه النص فيه: صيام ست من شوال بعد صوم رمضان، قال رحمه الله في الموطأ ما نصه:"إني لم أر أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف"، وفيه تصريح مالك بأنه لم يبلغه صيام ستة من شوال عن أحد من السلف، وهو صريح في أنه لم يبلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أنه لو بلغه الترغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان يصومها ويأمر بصومها فضلا عن أن يقول بكراهتها".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار 3/ 380:"لم يبلغ مالكا حديث أبي أيوب .. ولو علمه لقال به"، وقال:"وأما صيام الستة الأيام من شوال على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان رضي الله عنه فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله، لأن الصوم جنة وفضله معلوم لمن رد طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى، وهو عمل بر وخير، وقد قال الله عز وجل"وافعلوا الخير"ومالك لا يجهل شيئا من هذا ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك وخشي أن يعدوه من فرائض الصيام مضافا إلى رمضان".
وقال القرطبي المالكي في التفسير 2/ 331:"يستحب له أن يصوم من شوال ستة أيام".
وأما النهي عن صوم ست شوال خشية اختلاطها برمضان، فهذا تعليل فاسد الاعتبار لمخالفته الخبر، والرسول صلى الله عليه وسلم أعلم منا بالشرع، فلا نترك قوله لمثل هذه التوهمات.
قال الشنقيطي 7/ 362:"لكنه صلى الله عليه وسلم ألغى المحذور المذكور وأهدره لعلمه بأن شهر رمضان أشهر من أن يلتبس بشيء من شوال كما أن النوافل المرغب فيها قبل الصلوات المكتوبة وبعدها لم يكرهها أحد من أهل العلم خشية أن يلحقها الجهلة بالمكتوبات لشهرة المكتوبات الخمس وعدم التباسها بغيرها، وعلى كل حال فإنه ليس لإمام من الأئمة أن يقول هذا الأمر الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكروهًا لخشية أن يظنه الجهال من جنس الواجب، وصيام الستة المذكورة وترغيب النبي صلى الله عليه وسلم ثابت عنه، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه (1164) عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر"والطعن في هذا الحديث بأنه من رواية سعد بن سعيد لا يصح، لأن جماعة من أهل العلم وثقوه ثم قد وافقه جماعة من الرواة كصفوان بن سليم كما عند النسائي في الكبرى (2863) وكشعبة كما أشار إليه الترمذي (759) وكزيد بن أسلم عند الطحاوي في شرح المشكل 6/ 122 وكيحيى بن سعيد عنده أيضًا وعند أبي عوانة (2701) والطبراني (3914) ، قال النووي في شرح مسلم 8/ 56:"إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها وقولهم قد يظن وجوبها ينتقض بصوم يوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب"."
(يُتْبَعُ)