فهرس الكتاب

الصفحة 4463 من 20085

وذكر البخاري ترجمة حي بن مالك، فقال -في التاريخ (3/ 119) : (حي بن مالك، عن عبد الله بن عمرو: سأل عمرُ أصحابَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ليلة القدر، فقال ابن عباس:"إن ربي يحب السبع:(ولقد آتيناك سبعًا من المثاني) ". قاله أبو سعيد الجعفي، عن ابن وهب، عن حيي بن عبد الله، عن حي. في إسناده نظر)، وأبو سعيد الجعفي هو يحيى بن سليمان شيخ البخاري، أكثر البخاري في صحيحه عنه من روايته عن ابن وهب معتمدًا عليه، ووثقه الدارقطني وغيره.

فالحمل في قول البخاري: (في إسناده نظر) على حيي بن عبد الله.

4 -قال النسائي: (ليس بالقوي) ، وأخرج -في سننه الكبرى (1971) - حديثًا من رواية ابن وهب عن حيي، ثم قال: (حيي بن عبد الله ليس ممن يعتمد عليه، وهذا الحديث عندنا غير محفوظ ... ) ، ففسر قوله: (ليس بالقوي) ، وأنه يريد تضعيف الراوي وعدم الاعتماد عليه والاعتداد بروايته، وذكر له هذا الحديث الذي أنكره، وذكره أنه غير محفوظ.

5 -وذكره العقيلي في كتاب (الضعفاء) ، وأورد جرح الإمام أحمد والبخاري، ولم يتعقبهما، وذكر له حديثًا من مناكيره.

6 -أشار البيهقي إلى ضعفه -كما سبق بيانه في مشاركتي الأولى-،

وقد قيل بتقوية حال حيي:

1 -فنقل الدارمي عن ابن معين قوله: (ليس به بأس) ، وقد سبق أن هذه المقولة محتملة، ذلك أن ابن معين قال في موضع آخر: (صالح الحديث، ليس بذاك القوي) ،

2 -وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في المشاهير: (من خيار أهل مصر ومتقنيهم، وكان شيخًا جليلًا فاضلًا) ، وسبق البيان بأن توثيق ابن حبان في الموضعين فيه نظر،

3 -وقال ابن عدي: (أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة) ، وسبق بيان أن هذه الكلمة لا تفيد مرتبة الثقة أو الصدوق دائمًا، وأنها مخصوصة فيما إذا روى عنه الثقات، ولم يثبت في حديثنا هذا أنه روى عنه ثقة.

وأما قول ابن حجر في التقريب: (صدوق يهم) ، فهو تلخيص منه -رحمه الله- لأقوال الأئمة السابقة، قد يوافق عليه، وقد يخالف، إلا أنه -بلا أدنى شك- لا تصادم به أقوال الأئمة، ولا ترد أقوالهم له.

وأما الذهبي، فقال -في الكاشف-: (قال ابن معين:"ليس به بأس"، وقال البخاري:"فيه نظر") ، فلم يجزم في أمره بشيء، وقال -في تاريخ الإسلام-: (صالح الحديث) ، وذكره في ديوان الضعفاء، وقال: (حسن الحديث، قال أحمد:"منكر الحديث") ، فهو -وإن حسن حديثه- أشار إلى ضعفه بذكر تضعيف أحمد، ولا يكفي نقل الشطر الأول من كلام الذهبي، واعتماده رأيًا له.

هذا ما وقفتُ عليه من كلام الأئمة في حيي، وظاهرٌ جدًّا أن كبار أئمة الجرح والتعديل مجتمعون على ضعف الرجل، وبعضهم لم يضعفه يسيرًا، بل أنكر حديثه وضعفه جدًّا.

والتعديل الذي ورد في حيي إما محتمل المعنى، أو فيه تساهل.

ويردُّهُ الجرح المفسر الذي ورد من الأئمة، فأحمد استعرض أحاديثه، وحكم عليها بأنها مناكير، وفعل نحو ذلك النسائي.

ومع وقوف البخاري على رواية ابن وهب عن حيي، فقد حكم عليه بالضعف الشديد، والنسائي ضعف حييًّا في حديثٍ رواه ابنُ وهب عنه، وللبيهقي نحو ذلك.

فدل على أنه ضعيف مطلقًا -إن لم يكن منكر الحديث-، حتى لو روى عنه الثقات، وهو الراجح في حاله، بالنظر إلى جلالة ومكانة من جرحه، وشدة كلماتهم فيه، وكونها مفسرة، بخلاف كلمات التقوية والتوثيق.

الثالث: كلام الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف -رحمه الله- حول إفراط ابن حبان في التوثيق في المشاهير، قال -رحمه الله-:

"... أن ابن حبان ـ رحمه الله ـ في كتابه (مشاهير علماء الأمصار) قد نصّ على إتقان جماعة ووثقهم بصيغ رفيعة جدًا، وغيره من النقاد يرون فيهم عكس ذلك، ولم يكن الكتاب بين يديّ وقتها، ثم وجدته ونقلت عنه في موضعين."

وأذكر الآن بعض الأمثلة، للتنبيه بعدها على أمر آخر لعله أعظم خطورة، لأن أغلب طلبة العلم يعلمون تساهل ابن حبان ـ رحمه الله ـ.

1 ـ قال في ترجمة (فليح بن سليمان) (رقم1117) : «من متقني أهل المدينة وحفاظهم» . قارن بترجمته في «هدي الساري» (ص457) .

2 ـ قال في ترجمة (عبدالله بن عياش بن عباس القتباني) (رقم1516) : «من ثقات أهل مصر» . وقد ضعفه أبو داود، والنسائي، وقال ابن يونس ـ وإليه المرجع في المصريين ـ: «منكر الحديث» ، وروى له مسلم استشهادًا، وهو صاحب الحديث الذي فيه «إلعنوهن، فإنهن ملعونات» ، والذي تعقب الذهبيُّ فيه الحاكمَ على تصحيحه.

3 ـ قال في ترجمة (سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر) (رقم 1361) : «من متقني أهل الكوفة، وكان ثبتًا» ومعروف حال أبي خالد ـ على صدقه ـ من كثرة أوهامه ومخالفاته للثقات، انظر ترجمته ـ مثلًا ـ في «الكامل» و «التقريب» .

4 ـ قال في ترجمة (يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي) (رقم 1101) : «وكان متقنًا» ويحيى هذا فيه جهالة، ولا يعرف إلا بحديث واحد. أنظر ترجمته في «الميزان» و «تهذيب الكمال» مع الحواشي.

5 ـ قال في ترجمة (عثمان بن أبي العاتكة) (رقم 1449) : «من متقني أهلها ـ يعني الشام ـ وقدماء مشايخهم» . والرجل أحسن أحواله أن يكون صدوقًا إذا روى عن غير (علي بن يزيد الألهاني) ـ ذاك المتروك ـ أنظر «تهذيب الكمال» بحواشيه"."

انتهى المقصود من كلامه -رحمه الله-، ويمكن التوسع في الأمثلة لمن ينظر في تراجم الكتاب، ويقارن كلام ابن حبان فيه بكلام غيره من الأئمة.

والله أعلم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت