فهرس الكتاب

الصفحة 5496 من 20085

إن قيل: أنّ تصديره الحديث بصيغة التّمريض تضعيفٌ له؛ و قد قال النّوويّ - عفا الله عنّا و عنه - في"المجموع شرح المهذّب: 1/ 63": (( قال العلماء المحقّقون من أهل الحديث و غيرهم: إذا كان الحديث ضعيفًا لا يُقال فيه: قال رسول الله - صلّى الله عليه و على آله و سلّم -، أو: فعل، أو: أمر، أو: نهى، أو: حكم، و ما أشبه ذلك من صيغ الجزم، و كذا لا يُقال فيه: روى أبو هريرة، أو: قال، أو: ذكر. . .، و ما أشبهه، وكذا لا يقال ذلك في التّابعين، و من بعدهم - فيما كان ضعيفًا -؛ فلا يقال في شيءٍ من ذلك بصيغة الجزم؛ و إنّما يُقال في هذا كلِّه: رُوي عنه، أو: نُقل عنه، أو: حُكي عنه. . .، أو: يُذكر، أو: يُحكى. . .، أو: يُروى، و ما أشبه ذلك من صيغ التّمريض؛ و ليست من صيغ الجزم.

قالوا: فصيغ الجزم موضوعةٌ للصّحيح أو الحسن، و صيغ التّمريض لما سواهما.

وذلك أنّ صيغة الجزم تقتضي صحّته عن المضاف إليه؛ فلا ينبغي أن يُطلق إلا فيما صحّ؛ و إلاّ فيكون الإنسان في معنى الكاذب عليه و هذا الأدب أخلّ به المصنّف ، و جماهير الفقهاء من أصحابنا، و غيرهم؛ بل جماهير أصحاب العلوم - مطلقًا - ما عدا حذّاق المحدّثين؛ و ذلك تساهلٌ قبيحٌ منهم؛ فإنهّم يقولون - كثيرًا - في الصّحيح: (( رُوي عنه ) )، و في الضّعيف: (( قال ) )، أو: (( روى فلان ) )؛ و هذا حيدٌ عن الصّواب )) ا. هـ

و الإمام اللاّلكائيّ - رحمه الله - يقول: (( رُوي عن ابن عبّاسٍ في تفسير: (( بأعيينا ) ): أنه أشار الى عينيه )) ؛ فيكون هذا - عنده - ضعيفًا (!) .

فأقول - و بربّي - وحده - أصول و أجول:

أوّلًا: كيف يُظنّ هذا؛ مع أنّ اللاّلكائيّ أخرجه محتجًّا به؟!.

هل تُراه يحتجّ بالضّعيف في عقيدته و صفات ربّه - سبحانه و تعالى -؟!.

و ثانيًا: فإنّ القاعدة الّتي ذكرها النّوويّ صحيحةٌ.

نعم؛ و لكنّه ذكرها فقال: (( قال العلماء المحقّقون من أهل الحديث ) )، و (( هذا الأدب أخلّ به المصنّف، و جماهير الفقهاء من أصحابنا، و غيرهم؛ بل جماهير أصحاب العلوم - مطلقًا - ما عدا حذّاق المحدّثين ) ).

و ليس عندنا أنّ الإمام اللاّلكائيّ - رحمه الله - من (العلماء المحقّقين من أهل الحديث) ، و لا أنّه - رحمه الله - من (حذّاقهم) ؛ فليس في كتابه ما يدلّ على ذلك؛ بل فيه ما يُشعر بضدّه.

و حتّى لو كان منهم؛ فليس ذلك مستلزمًا التزامَه ما ذكره النّوويّ عنهم؛ فإنّ كثيرًا من حذّاقهم لم يكونوا يلتزمون ذلك؛ كشيخ الإسلام - رحمه الله -، و غيره؛ و إن التزمه بعضهم؛ كالمنذريّ - رحمه الله - في"التّرغيب و التّرهيب"و غيره.

و ثالثًا: فإنّ تصدير الحديث بصيغة التّمريض ليس إشعارًا بضعفه - دائمًا -؛ حتّى عند حذّاق و أئمّة المحدّثين؛ فهذا أمير المؤمنين في الحديث، شيخُ أهل الصّنعة؛ الإمامُ البخاريّ - رحمه الله - يُصدّر بعض الأحاديث بالتّمريض في"صحيحه"؛ فيقول الحافظ في"الفتح: 1/ 91": (( قاعدةٌ ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ - رحمه الله -؛ و هي: أنّ البخاريّ لا يخصّ صيغة التّمريض بضعف الإسناد؛ بل إذا ذكر المتن بالمعنى، أو اختصره أتى بها - أيضًا - ) ).

و الإمام اللاّلكائيّ لمّا صدّر الحديث بصيغة التّمريض كان أتى به مختصرًا، و بالمعنى.

فلعلّ هذا هو سبب تصديره إيّاه بالتّمريض؛ لا أنّه يُضعّفه (!) .

و آخر ما يُقال - في حديث ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - - هذا - أنّه هو الجواب على تساؤلٍ عن سلف الدّارميّ - رحمه الله - في قوله بتثنية عيني ربّنا - سبحانه -.

و هو الجواب على تشكيك من شكّك - من الجهميّة - في الإجماع السّلفيّ على تثنية عيني ربّنا - سبحانه -.

فالحمد لله ناصر جنده، و مخزي عدوّه.

الحواشي

(1) و قال قولَه تلميذُه السّخاويّ في"فتح المغيث:1/ 124".

(2) قلت: و قد زعم الحاكم أنّهما يقولان برفع تفسير الصّحابيّ مطلقًا؛ كما سيأتي (‍!) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت