فهرس الكتاب

الصفحة 6058 من 20085

قال ابن بطّالٍ رحمه اللّه: قالت قائشة إنّكم لتغفلون عن أفضل عبادة؛ التواضع. قال الطبري رحه اللّه: والتواضع من المحن التي امتحن اللّه بها عباده المؤمنين، لينظر كيف طاعتهم إيّاهُ فيها، ولماعلِم تعالى من مصلحة خلقه في ذلك، في عاجل دُنياهم و آجل أخراهم، إلى قولهِ: ومنه أنّه لما دخل إلى مكّة جعل النّاسُ يقولون: هُوَ هَذَا هُوَ هَذَا، فجعل يحمي ظهره على الرّحلِ ويقول: اللّهُ أعلى وأجلّ. ثمّ قال: عن طارق بن شهاب قال لمّا قدِمَ عمرُ الشام عَرَضَتْ لهُ مخاضة فنزل عن بعيره ونزع خفّيه فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيرُه، فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض، فصكّ في صدره وقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، إنّكم كنتم أذلّ النّاس وأحقر النّاس فأعزّكم اللّه بالإسلام، فمهما تطلبون العزّة في غيره يذلّكم اللّه. إنتهى.

سابعًا: ذكر اللّه.

قال اللّه تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ?، قال الطبري (وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا) يقول: وادعوا اللّه بالنّصر عليهم والظُّفَر بهم، وأشعروا قلوبكم وألسنتكم ذكرَهُ لعلّكم تفلحون، وعنه عن قتادة قال: إفترض اللّه ذكره عند أشغل ما تكونون؛ عند الضِراب السّيُوف. إنتهى.

وللقرطبيّ كلامٌ نفيسٌ في تفسير هذه الآية قائلًا: للعُلماء في هذا الذّكر ثلاثةُ أقوال؛

الأوّل: أذكروا اللّه عندَ جزعِ قلوبِكم فإنّ ذكره يُعين على الثبات في الشّدائد.

الثاني: أثبتوا بقلوبكم واذكروه بألسنتكم فإنّ القلب لا يسكُنُ عند اللّقاء ويضطرب اللّسان، فأمر بالذّكر حتى يثبُت القلبُ على اليقين ويثبُتَ اللّسانُ على الذّكر ويقول ما قال أصحابُ طالوت: ?رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ?. و هذه الحالة لاتكون إلاّ عند قوّة المعرفة واتّقاد البصيرة وهي الشجاعة المحمودة في النّاس.

الثّالث: إذكروا ما عندكم من وعد اللّه لكم في ابتياعه أنفسِكم ومثابته لكم. قلت و يحتمِلُ هذا جميعا فيذكر اللّه بلسانه ويشعر قلبه الجرأة ويتذكّر ما وعده اللّه من النّصر في الدّنيا و الجنانِ في الآخرة. وقال اللّه تعالى لموسى وهارون: ?وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي?، قال ابن كثيرٍ رحمه اللّه: والمراد أنّهما لا يفتُران في ذكرِ اللّه في حال مواجهة فرعون ليكون ذكر اللّه عونًا لهما عليه وقوّةً لهما وسلطانًا كاسرًا له، كما جاء في الحديث: (( إنّ عبدي كلّ عبدي الذي يذكرني وهو مناجزٌ قرْنَه ) )، واعلم أنّ ذكر اللّه عند القتال يكونُ سرًّا، فقد أخرج الحاكم وصحّحه عن أبي موسى رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّـے اللّه عليه وسلّم كان يكره الصوت عند القتال.

ثامنًا: الدّعاء

قال اللّه تعالى: ?قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ? وقال سبحانه: ?فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينْ? وقال: ?وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ? وقال: ?وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ? وقال: ?وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ?.

وقال صلّـے اللّه عليه وسلّم: (( الدّعاءُ هو العبادة ) )، وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه كما عند الحاكم وغيرِه: (( ليس شيئٌ أكرمَ على اللّه من الدّعاء ) )، وقال: (( من لم يسألِ اللّه يغضبْ عليه ) ). قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه اللّه: النّصر والرّزق يحصل بأسبابٍ من آكدها دعاء المؤمنين. وقال: لمّا قدّر النّصر يوم بدر وأخبر النّبيُّ صلّـے اللّه عليه وسلّم قبل وقوعه أصحابه بالنّصر وبمصارع القوم، كان من أسباب ذلك إستغاثة النّبيّ صلذى اللّه عليه وسلّم ودُعاؤه. إنتهى.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت