فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والمؤمنون رحماء بينهم هينون لينون كافون عن الأذى باذلون للمروءة والندى، وليس من الإيمان إيذاء المؤمنين قولا وفعلا: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا [الأحزاب:58] .
المؤمنون يتحاكمون إلى شرع الله ويرضون بالإسلام حكما ولا يجدون في انفسهم حرجا بل يرضون ويسلمون تسليما انما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون [النور:51] .
أما غير المؤمنين فيأنفون من حكم الله ويتحاكمون إلى الطاغوت وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله وأولئك هم الظالمون [النور:48 - 50] .
المؤمنون حقا يتحرون الحلال في مطعمهم ومشربهم وملبسهم، وهم حريصون على الحلال جمعا وإنفاقا لا يشربون الخمر ولا ياكلون السحت ولا يتعاملون بالربا أو ضروب المعاملات المحرمة الأخرى في البيع والشراء، نفقتهم عدل ووسط بين التقتير والإسراف، أمرهم ربهم بالحلال فامتثلوا، ونهاهم عن الحرام فانتهوا، قال لهم في الأولى: يا أيها الذين امنوا كلوا من طبيات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون [البقرة:172] . وقال لهم في الأخرى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفحلون وقال كذلك: يا أيها الذين ءامنوا لا تاكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون [المائدة:90] .
أما غير المؤمنين فلا يتورعون عن الحرام ولا يحتاطون في الحلال، أمرهم فرط، وربما ملكوا القناطير المقنطرة، وقد يخيل لمن لا يعرفهم أنهم من شدة اللهاث جوعى، وربما انقلبت موازينهم فجأة فأصبح الغني فقيرا، والدائن مدينا، فلا الإيمان أسعفهم بالنزاهة والشكر على المال جمعا، وليس غير الإيمان يسليهم على فقده صبرا من يهن الله فما له من مكرم [الحج:18] .
عباد الله: هذه دعوة لنا جميعا لنعلم حقيقة الإيمان ونتخلق بأخلاق الإسلام، وليست حصرا لحقائق الإيمان ولا احصاء لصفات المؤمنين، لكنها الاشارة بالبعض إلى الكل، أما النتيجة التي يجب أن نخلص إليها فهي أن الإيمان ليس بضاعة مزجاة تباع وتشترى بأبخس الأثمان أو مجرد دعوى وألقاب تجوز على كل لسان، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان نهج متكامل، فهو عبادة الله خاشعة ومعاملة لخلقه كريمة، وأخلاق رفيعة، هو كسب نظيف وإنفاق مشروع.
الإيمان الحق اعتقاد سليم وعمل صحيح، جهاد وتضحية، أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ولاء وبراء، مظهر ومخبر، بذل للندى، وكف عن الاذى، وخروج عن الأنانية المقيتة ونصرة للنفس المسلمة المظلومة.
وبهذا يتبين خطأ نظرتين للإيمان إحداهما جافية، والأخرى غالية.
أما الجافية فترى أن مجرد الإيمان بالله كاف حتى وإن ضيعت الصلاة وقُصر في أداء الزكاة واختلطت المعاملات الحلال بالحرام، بل يكثر هذا الصنف الجافي من القول: لا داعي للتركيز على المظاهر، فالمخابر هي الأساس، وهؤلاء يهدمون الإسلام لبنة لبنة، حتى إذا لم يبق إلا شبح البناء تهاوى وبكى على الأطلال.
أما الصنف الغالي فهم يعظمون الصغير ويكفرون على الذنب الكبير، وربما فتحوا معارك في خطأ علاجه بالحسنى أجدى وأولى، وربما جعلوا احتقار الناس دينا والتنقص من أمرهم دينا وشرعا والله يقول: فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى [النجم:32] .
إن دين الله هو وسط بين الغالي والجافي، والحكم عند التنازع: كتاب الله وسنة رسوله صلى عليه وسلم ونظرة واسعة لهما وفهم عميق.
اللهم سددنا في أقوالنا وأفعالنا، وهب لنا ايمانا تصلح به سرائرنا وعلانيتنا. . .الخ.
(2) صحيح الجامع
ـ [محمد عزالدين المعيار] ــــــــ [09 - May-2008, مساء 08:14] ـ
الحلقة الأولى:
قال الله تعالى: {إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون أولئك هم المومنون حقا لهم درجات عند ربهم و مغفرة ورزق كريم} سورة الأنفال:2 - 4
تنتمي هذه الآيات إلى سورة الأنفال ثاني سورة نزلت بالمدينة النبوية بعد"البقرة"على أرجح الأقوال، وتأتي قبلها في ترتيب المصحف سورة الأعراف، ووجوه المناسبة بين الأنفال والأعراف كثيرة من أبرزها:
1 -أن الله تعالى لما ذكر في الأعراف قصص عدد من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، اقتضى ذلك بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه فجاء ذكره في الأنفال
2 -أنه سبحانه لما ذكر في الأعراف أن اتباع الهوى أصل في الضلال والتنكب عن سبيل الرشاد، {ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه} [الأعراف:176] أمر المومنين - هنا في الأنفال - بسد باب الأهواء ونبذ الشقاق والنزاع حفاظا على صفهم من التصدع، ووحدتهم من الانهيار، وبالتفويض لله ورسوله في تدبير أمورهم، فإن ذلك أجدى لهم وأهدى، مذكرا لهم بما ينبغي لهم التزامه {إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} .
3 -أنه تعالى لما قال في الأعراف: {وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] بين في الأنفال حال المومنين عند هذا السماع فقال جل ذكره: {إنما المومنون} إلى قوله: {زادتهم إيمانا} [الأنفال:2 - 4] لأنه هكذا يكون سماع المومن {و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} [الأنفال:21]
وهذه الوجوه وغيرها مما يؤكد أن وضع الأنفال بعد الأعراف وقبل براءة في ترتيب المصحف توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم للحابة، وليس مجرد اجتهاد من الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء اعتمادا على حديث ضعيف يدور في كل رواياته على يزيد الفارسي وهو غير مشهور بل يكاد يكون مجهولا، روي أنه ذكر ليحيي بن معين فلم يعرفه، وذكره الإمام البخاري في الضعفاء، ومن ثم فلا يصح أن تكون روايته التي انفرد بها مما يعتد به في ترتيب القرآن المتواتر.
(يُتْبَعُ)