فهرس الكتاب

الصفحة 6212 من 20085

هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون.لا يقيمون للمقدسات وزنًا، ولا يتحرجون أمام الحرمات، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة.يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه، ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء، ويخرجونهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام! .. ثم بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام، ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم المحرمات والمقدسات، ويرفعون أصواتهم: انظروا هاهو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام!) ا. هـ.

نلخص من سبب نزول الآية والتوجيه الرباني فيها إلى الموقف السليم في التعامل مع أخطاء المجاهدين المجتهدين والمتمثل فينا يلي:

أولًا: عدم إدعاء العصمة للمجاهدين بل هم بشر يخطئون ويصيبون والخطأ لا يدافع عنه بل يقال إنه خطأ ومخالفة وهذا ما ذكره الله عز وجل في الآية المذكورة وذلك بقوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ} فذكر سبحانه أن قتال المجاهدين في الشهر الحرام خطأ كبير ولكن هذا الخطأ لا يهدر به جهاد المجاهدين وبلاؤهم الحسن ومقصدهم الحسن في جهادهم وهو ابتغاء مغفرة الله ورحمته بل يوضع في حجمه الطبيعي ولذلك ذكر بعض المفسرين أن الله عز وجل طيب قلوب هؤلاء المجاهدين المخطئين بعد ذلك بقوله سبحانه بعد ذلك في نفس السياق {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهكذا يكون التعامل مع أخطاء المجاهدين بحيث ينكر عليهم خطؤهم ولا يقرون عليه وفي نفس الوقت لا ينسى لهم بلاؤهم وجهادهم وتنكيلهم في عدوهم وهجرهم لأهلهم وأوطانهم، وهذا ما يتضح بجلاء في هديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أخطاء بعض الصحابة رضي الله عنهم أثناء جهادهم في سبيل الله تعالى.

فهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه عندما قتل المشرك الذي شهد أن لا إله إلا الله بحجة أنه قالها متعوذًا وخوفًا من السيف فعاتبه الرسول صلى الله عليه وسلم عتابًا شديدا ًوأوقف أسامة على خطئه ومع ذلك بقي هو حب رسول الله وبقيت مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تتغير حتى أنه أمره قبل وفاته على الجيش المعروف بجيش أسامة ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما عنفه النبي صلى الله عليه وسلم وتبرأ من فعله وقتله لمن أظهر الإسلام من بني جذيمة لم يمنعه ذلك من إبقائه في قيادة العمليات الجهادية المتتالية في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

فهل بعد هذا الهدي النبوي في تعامله مع أخطاء المجاهدين من عذر لبعض الدعاة هداهم الله الذين ينسون جهاد المجاهدين وبلاءهم الحسن ويسعون إلى إقصائه بمجرد أن يصدر منه خطأ ومخالفة شرعية في قوله أو فعله إن هذا ليس من العدل.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تعليقه على قصة عبدالله بن جحش وما نزل فيها من الآيات القرآنية:(والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام،فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة ولاسيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله فهم كما قيل

وإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيع

فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن)] زاد المعاد3/ 170 [

وفي ختام هذه الفقرة أوصي إخواني المجاهدين بأن يتقوا الله عز وجل في جهادهم وأن يبذلوا الوسع في توقي الذنوب وما يسخط الله عز وجل فإن الذنوب أخطر على المجاهدين من عدوهم وهي سبب الهزائم والخذلان ويكفينا تذكر ما حصل للمسلمين في غزوة أحد. وإن من أخطر وأكبر الذنوب التي تهدم الجهاد وأهله التنازع والتفرق المؤديان إلى الاستهانة بالدماء المعصومة والتعلق بأدنى شبهة لاستحلالها. فإذا كان الله عز وجل سمى قتل المشركين المحاربين في الشهر الحرام كبير (قل قتال فيه كبير) ولم يجامل فيه المجاهدين فكيف يقتل مسلم لأدنى

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت