وقد روى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: لما ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل القبر رجل قارف أهله"فلم يدخل عثمان.
ذكر البخاري قال: حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح بن عثمان، حدثنا هلال بن علي، عن أنس بن مالك، قال: شهدنا دفن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال:"هل منكم من أحد لم يقارف الليلة"؟ فقال أبو طلحة: أنا. فقال:"انزل في قبرها"فنزل في قبرها. وهذا هو الصحيح من حديث أنس لا قول من ذكر فيه (رقية) ، ولفظ حديث حماد بن سلمة أيضا في ذلك منكر مع ما فيه من الوهم في ذكر (رقية) .
قال ابن بشكوال في (غوامض الأسماء المبهمة ج1/ص150) :
وذكر البخاري أيضا قال: ثنا محمد بن سنان، قال: ثنا فليح بن سليمان، قال: ثنا هلال بن علي، عن أنس بن مالك، قال: شهدنا دفن أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال:"هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة"؟ فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله. فنزل في قبرها.
قلت: وقد تتبعت روايات البخاري في الصحيح وغيره، فلم أجد هذه الرواية التي فيها التعيين للاسم.
أقول: ولعل أنها (أم كلثوم) هو الصحيح والصواب. والله تعالى أعلم.
(المحور الثاني) : في معنى المراد من قوله:"قارف".
في الواقع تباينت آراء العلماء حول المراد من معنى هذه اللفظة، وقد تضافر لكل فريق أدلته التي استند عليها في حكمه، وذلك على النحو الآتي:
· قال الحافظ ابن حجر في (الأمالي المطلقة ص139) :
وقوله:"مقراف"بوزن مفعال، من القرف وهو الكسب وزنا ومعنى، وأكثر ما يستعمل في السيئ، وقد يطلق في الحسن، ومنه قوله تعالى: {ومن يقترف حسنة} ، ويطلق الاقتراف أيضا على المجامعة، وهو أحد التأويلين في قوله:"لم يقارف الليلة".
· وقال في (مقدمة فتح الباري ج1/ص172) :
قوله:"اقترفت ذنبا"أي: اكتسبت، وقارفت ذنبا أي: خالطت، ومنه:"من لم يقارف الليلة"أي: يكتسب، وقيل: المراد هنا الجماع.
· وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار ج2/ص180) :
قوله:"منكم من لم يقارف الليلة"قيل: يعني يكتسب الذنب؛ وجاء في نسخة الأصيلي نحوه عن فليح. ويقال: القرف الذنب والجرم، والقرف أيضا رميك غيرك بذلك. وقيل: معناه جامع؛ وقد جاء في الرواية الأخرى:"لم يقارف أهله"وأنكر هذا الطحاوي هنا؛ وقال: معناه قاول. قال غيره: لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء ويحبون النوم بعدها على كفارتها لما تقدم، وجاء النهي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله:"أن تكون أمك قارفت بعض ما قارف نساء الجاهلية"يريد اكتسبت وعملت، وأراد به الزنا. وقوله في حديث الإفك:"إن كنت قارفت سوءا فتوبي منه".
· قال ابن الأثير في (النهاية في غريب الأثر ج4/ص45) في بيان إطلاقات اللفظة:
(قرف) فيه: رجل قرف على نفسه ذنوبا؛ أي: كسبها، يقال: قرف الذنب واقترفه إذا عمله، وقارف الذنب وغيره إذا داناه ولاصقه، وقرفه بكذا أي أضافه إليه واتهمه به، وقارف امرأته إذا جامعها، ومنه حديث عائشة أنه كان يصبح جنبا من قراف غير احتلام ثم يصوم، أي من جماع، ومنه الحديث في دفن أم كلثوم من كان منكم لم يقارف أهله الليلة فليدخل قبرها.
ومنه حديث عبد الله بن حذافة قالت له أمه: أمنت أن تكون أمك قارفت بعض ما يقارف أهل الجاهلية؟! أرادت الزنا.
ومنه حديث الإفك:"إن كنت قارفت ذنبا فتوبي إلى الله"وكل هذا مرجعه إلى المقاربة والمداناة.
وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأخذ بالقرف؛ أي التهمة، والجمع القراف.
ومنه حديث علي: أو لم ينه أمية علمها بي عن قرافي. أي: عن تهمتي بالمشاركة في دم عثمان.
وفيه: أنه ركب فرسا لأبي طلحة مقرفا، المقرف من الخيل الهجين، وهو الذي أمه برذونة وأبوه عربي، وقيل بالعكس، وقيل هو الذي دانى الهجنة وقاربها.
ومنه حديث عمر كتب إلى أبي موسى في البراذين ما قارف العتاق منها فاجعل له سهما واحدا، أي: قاربها وداناها.
(يُتْبَعُ)