وما جاء عن بعض أهل العلم في استحباب جعل القارئ ختمه في صلاة نفلٍ, أول الليل أو آخره, أي: في سنة المغرب أو سنة الفجر.
وهذه, مع جلالة القائلين بها لم يذكروا رحمهم الله ما يسند المشروعية من نص ثابت في سنده ودلالته, عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابته, رضي الله عنهم.
ومن خلال تتبع المروي في"الفصل الأول"من هذه الرسالة لم نحس له بأثر أو أثارة؟.
وهذا من العبادات الجهرية التي لو وقعت؛ لَنُقِلَ إلينا وقوعها واشتهر أمرها في كتب الرواية والأثر. بل في رواية حنبل لَمَّا قال لأحمد رحمه الله تعالى: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه ...: دليل أنه لو كان عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى سنة ماضية مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم , أو متصلة العمل بعصر الصحابة رضي الله عنهم؛ لاعتمدها في الدلالة, وهو رحمه الله تعالى من أرباب الإحاطة في الرواية.
[بل إن الإمام أحمد اعتمد على أثر عثمان رضي الله عنه والذي يرويه أهل المدينة عنه, والذي قواه جريان عمل أهل مكة والبصرة عليه فاعتماد الإمام احمد لم يكن على فعل سفيان أو فعل أهل البصرة] .
قال حفظه الله (ص285) : فلم يبق في الدلالة عنده إلاَّ عمل المِصْرَينْ: مكة والبصرة وكم لأهل كل مصر من عمل لم يتابعهم عليه أحد. مثل أهل مكة في عدة مسائل كما في أخبار مكة للفاكهي (3/ 92_96) .
* مدى حجية جريان العمل في العبادات:
وعليه: فليعلم أن توارث العمل يكون في موطن الحجة: حيث يتصل بعصر التشريع, كتوارث مقدار الصاع والمد النبوي وأعيان المشاعر, ونحو ذلك.
ويكون في موطن الحجة أيضًا عند جماعة من الفقهاء والأصوليين والمحدثين: حيث تكون عَضَادته لحديث ضعيف, تلقته الأمة بالقبول.
لكن هنا لم يكن نقل لعمل متصل بعصر النبي صلى الله عليه وسلم. وصحابته رضي الله عنهم, ولا عاضد لحديث في الباب وتلقته الأمة بالقبول؛ ففات إذًا شرطه عند من قال به.
لذلك فإن مالكًا رحمه الله وهو عالم المدينة في زمانه كره الدعاء بعد الختم مطلقًا, وقال: ما هو من عمل الناس.
وظاهر من هذا أنه ذم العمل المتأخر عن عصر الصحابة رضي الله عنهم والمتحرر عند علماء الأصول: أن جريان العمل فيما لا يتصل بعصر الصحابة رضي الله عنهم: لا يعتبر حجة في (التعبد) ولا يلتفت إليه لقاعدة: (وقف العبادات على النص ومورده) . وظاهرٌ من كلمة الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه لم يكن محل اتفاق بعدهم, رضي الله عنهم.
[الرواية عن الإمام مالك من كتاب العتبية, ولو صحت فهي قول إمام دار الهجرة, وكم من مسألةٍ ذكر الإمام مالك أن ليس عليها عمل الناس, ويكون فيها أثر أو غيره؟.
وقد نص كثيرٌ من المالكية أن مالكا أحيانا يقصد بقوله: ليس عليه عمل الناس. عمل شيوخه كربيعة الرأي وغيره. وقد أشار إلى ذلك ابن رجب رحمه الله -كما سبق بيانه-وفي البحر المحيط في أصول الفقه (ج3/ص533) :"ردود العلماء على دعوى إجماع أهل المدينة ولم تزل هذه المسألة موصوفة بالإشكال وقد دارت بين أبي بكر الصيرفي وأبي عمر بن عبد البر من المالكية وصنف الصيرفي فيها وطول في كتابه الأعلام الحجاج فيها مع الخصم وقال قد تصفحنا قول من قال العمل على كذا فوجدنا أهل بلده في عصره يخالفونه كذلك الفقهاء السبعة من قبله فإنه مخالفهم ولو كان العمل على ما وصفه لما جاز له خلافهم لأن حكمه بالعمل كعلمهم لو كان مستفيضا قال وهذا عندي من قول مالك على أنه عمل الأكثر عنده وقد قال ربيعة في قول ادعى مالك العمل عليه فقال ربيعة وقال قوم وهم الأقل ما ادعى مالك أنه عمل أهل البلد]."
كما أنه لم يذكر أحد ممن صنفوا في البدع كالشاطبي والطرطوشي ورائد صبري في معجم البدع وغيرهم أن هذه بدعة، بل الأمر كما قال الشيخ: عبد العزيز بن باز رحمه الله كما في الفتاوى (11/ 354) :"لم يزل السلف يختمون القرآن، ويقرؤون دعاء الختمة في صلاة رمضان، ولا نعلم في هذا نزاعا بينهم".أ. هـ.
وفي الاعتراض على أثر أنس رضي الله عنه نجد أشبه ما يكون بالتناقض مع ما جاء عنه، مع أنه لم يثبت به أثرٌ متقدم، ولم يُنقل عن غيره، فيقبل في أصول المذهب.
(يُتْبَعُ)