ثم قال السيد المذكور: قلت: ومن هذا - يعني الكفر العملي - من يدعو الأولياء، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويقبل جدرانها، وينذر لها بشيء من ماله، فإنه كفر عملي، لا اعتقادي، فإنه مؤمن بالله وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - وباليوم الآخر، لكن زيّن له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرّون، فاعتقدوا ذلك، كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام، لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد لله، لا يجعلون الأولياء آلهة، كما قاله الكفار إنكارًا على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، لما دعاهم إلى كلمة التوحيد: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ .. فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة، فقالوا في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام، وإن كانت عباراتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له، لأنه إذا كان يملكه وما ملك، فليس شريك له تعالى، بل مملوك.
فعبّاد الأصنام الذين جعلوا لله أندادًا واتخذوا من دونه شركاء، وتارة يقولون شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى، بخلاف جهلة المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر، فإنهم مقرون لله بالوحدانية، وإفراده بالإلهية، وصدّقوا رسله، فالذي أتوه من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد، فالواجب وعظهم، وتعريفهم لجهلهم، وزجرهم ولو بالتعزير، كما أمرنا بحد الزاني والشارب والسارق من أهل الكفر العملي. . إلى أن قال. . فهذه كلها قبائح محرّمة من أعمال الجاهلية، فهو من الكفر العملي، وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أمورًا من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي، كحديث: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري. فهذه من الكفر العملي لا تخرج به الأمة عن الملة، بل هم مع إيتانهم بهذه الخصلة الجاهلية، أضافهم إلى نفسه، فقال: في أمتي.
فإن قلت: أهل الجاهلية تقول في أصنامها أنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما يقوله القبوريون ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، كما يقول القبوريون.
قلت: لا سواء. فإن القبوريين مثبتون للتوحيد لله، قائلون أنه لا إله إلا هو، ولو ضربت عنقه على أن يقول إن الولي إله مع الله لما قالها، بل عنده اعتقاد جهل أن الولي لما أطاع الله، كان له بطاعته عنده تعالى جاه به تقبل شفاعته، ويرجى نفعه، لأن أنه إله مع الله، بخلاف الوثني فإن امتنع عن قول: لا إله إلا الله، حتى ضربت عنقه، زاعمًا أن وثنه إله مع الله، ويسميه ربًا وإلهًا. قال يوسف - عليه السلام: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} .. سماهم أربابًا لأنهم كانوا يسمونهم بذلك،كما قال الخليل: {هذا ربي} في الثلاث الآيات، مستفهمًا لهم، مبكتًا، متكلمًا على خطابهم، حيث يسمون الكواكب أربابًا، وقالوا: {أجعل الآلهة إلهًا واحدًا} ، وقال قوم إبراهيم: {من فعل هذا بآلهتنا} . {أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} . وقال إبراهيم: {أإفكًا آلهة دون الله تريدون} . ومن هنا يعلم أن الكفار غير مقرين بتوحيد الإلهية والربوبية، كما توهمه من توهم من قوله: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ، {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} ، {قل من يرزقكم من السماء والأرض -إلى قوله- فسيقولن الله} . فهذا إقرار بتوحيد الخالقية والرازقية ونحوهما، لا أنه إقرار بتوحيده الإلهية، لأنهم يجعلون أوثانهم أربابًا كما عرفت، فهذا الكفر الجاهلية كفر اعتقاد ومن لازمه كفر العمل، بخلاف من اعتقد في الأولياء النفع والضر مع توحيد الله، والإيمان به وبرسوله وباليوم الآخر، فإنه كفر عمل، فهذا تحقيق بالغ، وإيضاح لما هو الحق، من غير إفراط ولا تفريط ..
انتهى كلام السيد المذكور، رحمه الله تعالى.
ـ [الإمام الدهلوي] ــــــــ [05 - Nov-2008, صباحًا 09:47] ـ
الأخ أبو موسى تقول: ( .. يحكى أن الصنعاني رجع عن تكفيره لعباد القبور وقد ذكر ذلك الشوكاني في الدر النضيد ولا أدري ما صحة هذا القول) إهـ
أقول: هذا القول أكده الإمام الشوكاني رحمه الله في رده على الصنعاني كما نقل لك أخونا أبو شعيب في مشاركته السابقة
وقد رأي الشيخ ابن سحمان رحمه الله في كتابه (تبرئة الشيخين الإمامين) أن الصنعاني رحمه الله لم يتراجع، ولكن الشوكاني في رسالته (الدر النضيد) يؤكد أنه تراجع و أنه شرح قصيدته التي تراجع فيها، ولعل رأيه أقرب بحكم معرفته لعلماء بلده والله أعلم.
ذكرت هذا للتنبيه جزاك الله خيرًا.
ـ [أبو عبد الرحمن المغربي] ــــــــ [05 - Nov-2008, مساء 06:42] ـ
(أبو موسى)
إن كنت ترى صلاحية الاستدلال بعموم الآية فأعلمني حتى أجيبك
أما قضية الصنعاني فلا يمكن إلزام المخالف بها لعدم ثبوت نسبة القول له.
هذا إن لم نعلم له قولًا يناقض ما نقله الشوكاني فكيف الحال و مذهب الصنعاني مسطور في كتبه يُناقض ما نُسب إليه
أنتظر ردك بالنسبة للاستدلال بالآية حتى لا نخرج عن الموضوع
وفقك الله
(يُتْبَعُ)