وقضية انصاف المخالف لا تعارض لها مع اطلاق الحكم عليه وعلى مخالفته بحسبها - اذا دعت المصلحة الشرعية الى ذلك -، بل حتى وأنت تحذر الناس من دعاة البدع فانك يجب عليك العدل والانصاف في ذلك عملا بقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) [المائدة: 8]
ولكن هل من العدل والانصاف أن تميع البدع والضلالات ويمنع الكلام فيها ويمنع بيان الحق للناس وتحذيرهم من أهل الانحراف وما يبثونه فيهم، بدعوى أن هذا ليس في مصلحة المسلمين وأنه هو ما يريده له عدوهم و ... ؟؟
فهذا ما دندنت أنا حوله، والأمر كل الأمر في تلك المصلحة الشرعية، ما توصيفها؟
وأما قولك: تمييع البدع و الضلالات، فما أظنك تعني أخاك بهذا، وليس في كلامي ما يحتمله، ولا حتى بدلالة الالتزام. (ابتسامة)
ثم فرق بعيد أخي الكريم بين تحذير المسلمين مما يبث فيهم من البدع و الضلالات، وبين الحرب القائمة فيما يسمى بكتب الردود في مسائل فرعية.
وما أظنه خافيا على أحد الإقبال الهائل على كتب الردود، الذي لو كان عشر معشاره في الكتب العلمية التأصيلية، لكان الحال غير الحال.
وما أظنه خافيا أن كثيرا من طلبة العلم يأخذون دينهم من كتب الردود.
وما هو بخاف على أحد، أن المال و الوقت و الجهد الضائع في كثير من هذه الكتب و الأشرطة و الدروس، إن لم يكن ضائعا أصلا فهو على الأقل خلاف الأولى.
فهل تجد مثلا في كتب المتقدمين من أهل العلم كتبا للرد على المجتهدين في الفروع، بله كتب الإسقاط، وفن السب و الشتم والطعن و الجرح.!
أم أن العلماء الأولين ما كان منهم إلا أن يبينوا ما يعتقدونه من الحق، مع عذر من خالفهم؟
ثم لا يخفى على مثلك أخي الكريم، أن كلامي هنا يحتاج إلى ضميمة مهمة، وهي الإجابة الصحيحة عن الأسئلة التي ذيلت بها مشاركتي، فتأملها.
وليس بيننا بحمد الله فيما يظهر خلاف أصلا، سوى تقصيري الأول في تبيين مرادي الذي نبهتني عليه بارك الله لك و فيك.
فالحمد لله رب العالمين.
ـ [أبو الفداء] ــــــــ [14 - Dec-2008, مساء 05:27] ـ
أكرمك الله أيها الفاضل .. وكل كلامي بداية من قولي:"وقضية انصاف المخالف ..."وحتى آخر المشاركة، لم أكن أقصدك أنت به وانما قصدت وضعه بين يدي المناقشة في الموضوع اثراءا له، والا فجميع ما ذكرته أنت في تعقيبك لا أخالفك فيه، بارك الله فيك.
وان كنت أرى أن باب الرد والرد على الرد من حيث الأصل لا ضرر فيه، ما دام بين قوم يحسنون صنعة العلم ويحسنون - وهو أصل ضروري هنا - تقدير المسألة بقدرها الصحيح، فلا ينبني ولاء وبراء عندهم على خلاف اجتهادي في مسألة قد وسع الذين من قبلنا الخلاف فيها وفي مثلها .. وما أذمها من نزعة تجدها في بعض المنتسبين الى العلم والى منهج السلف في زماننا أن تراهم يصنفون الردود على مخالفيهم في مسائل فرعية ويكيلون الاتهام والتجريح والسب والنكال بمخالفهم فيها - وهو من أهل السنة مثلهم معلوم عنه ذلك - حتى تجد عناوين الكتب من مثل"السيل الجرار في اقتلاع بدعة فلان الفلاني"أو"السيف البتار على رقبة فلان الفلاني"ونحو ذلك، في مسائل قد يكون الخلاف فيها عند التحقيق سائغا أصلا، وكأنهم يردون على مبتدع من دعاة الضلالة ولا حول ولا قوة الا بالله! ناقشت ذات يوم واحدا من طلبة تلك المدرسة السوداء كان يتهم واحدا من أئمة السنة في زماننا بأنه تكفيري وارهابي وكذا وكذا، فلما أحرجته وأثبت له أن الرجل يبرأ من تلك التهمة براءة واضحة، وأنه - هذا المسكين - ليس على شيء الا تقليد من قلده بلا دراية ولا تحقيق ولا علم، وجدته يرد علي بالدعاء بنحو قوله:"أسأل الله أن يقصم ظهرك أنت وفلان المبتدع هذا الذي تدافع عنه"!!! لدرجة أن الشيخ نفسه المتهم بهذه التهمة لما راح أحدهم يمتحنه في عقيدته وأجاب بالجواب الصحيح، رجع الى شيخه صاحب الاتهام والتجريح ليقول له وجدته يقول كذا وكذا، فما قولك، قال هذه تقية!!!!
فالقصد أن هذه الطائفة المريضة نحن نبرأ الى الله منها، ونعدها من أهل الانحراف المنهجي الخطير ونحذر المسلمين منهم، وطلبتهم من أظلم طلبة العلم نفوسا ومن أضيقهم عقولا وأذمهم تقليدا .. أسأل الله أن يصرف شرورهم عن المسلمين، آمين!
والحاصل أن ما كان من هذا الصنف من تصانيف الردود الفاحشة فهو مذموم، ولو أننا حشونا مكتبات المسلمين بأكوام من ورق الجرائد لربما كان أنفع لهم من أكوام من مثل هذا والله المستعان!!
أما ان كان الرد على النظير المخالف من أهل السنة ردا علميا تقدر فيه المسألة بقدرها الصحيح وتصان فيه حرمة المردود عليه ومنزلته ويحفظ فيه الود والرحمة بينهما وتستصحب فيها دواعي حسن الظن والمحمل الحسن، من غير تبديع بلا محمل ولا وجه، ولا تقريع بفحش وتفحش وغلو وفجور في العبارة، فأحسن بمثل هذا من مادة لاثراء الوسط العلمي وتنشيطه بين أهله!
والمشكلة أيها الفاضل أنه كما غلا قوم في هذا الاتجاه، فقد غلا آخرون في الاتجاه المقابل، وعدوا كل الرد والحوار والجدال شرا مستطيرا من حيث الأصل، أيا كانت مادته وأيا كان حال المتناظرين فيه ونظر كل منهم الى الآخر وتقديره لحجم المسألة وموقعها من بنيان الدين، وما يترتب على الحوار والجدال عند كل منهما ازاء الآخر من مواقف، فنظروا الى حرص حماة السنة على الذب عنها وعلى ابطال فرى وأكاذيب أعدائها من دعاة الضلالة على أنه مساو في مذمته لصنيع تلك الطائفة السوداء التي لا فرق فيها بين متسنن ومبتدع، وبين داعية هداية وداعية ضلالة، فالله نسأل أن يرقنا بصيرة العلم التي نميز بها الوسط الحق الذي هو دين الله، بلا افراط ولا تفريط، والله الموفق.
(يُتْبَعُ)