إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ /// إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ /// وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ /// أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ /// قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ /// قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ /// وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر:4 - 12]
فعند تأمل سياق الآيات الكريمة ترى أن الله تعالى يخبر عن بعض صفاته، يثبت لنفسه معن جهله الذين اتخذوا من بشر مثلهم ولدا له سبحانه وتعالى، ويحتج على الكفار بخلقه وقدرته وأفعاله التي يرونها، ثم يخبر البشر بأنه سبحانه غني عنهم وأنه لا يدعوهم الى عبادته وطاعته لحاجته سبحانه الى تلك العبادة وانما لحاجتهم هم .. فالكفار بجلهم قد يتصور الواحد منهم أن الله يحتاج الى عبادته، فالله يعلمهم بأن الأمر ليس كذلك .. ويلوم سائر بني آدم على أنهم لا يذكرون الذي في السماء الا عند الشدائد، بينما يغفلون عنه في ما سوى ذلك .. يقول تعالى في السباق المباشر للآية: (( ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ /// أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) )فتأمل كيف بين سبحانه أن التوحيد، توحيد القصد والطلب، والذي اصطلح عليه العلماء بتوحيد الألوهية، لما تخلف في قلب الانسان، راح يرجو ويدعو غير الله من دونه .. فهذا هو الكافر الغوي الجاهل، الذي يتوعده الله بما في الآية .. ثم يتبع ذلك مباشرة بالثناء على الذي هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما، (وهي رؤوس العبادات والطاعات والتي لا تتحصل على مراد الرب منها الا بالعلم والتعلم من الوحي من مصادره ومظانه) وحذر الآخرة كذلك ما تحقق الا من حصيلة ذلك العلم والنور الذي ينشرح له صدر المؤمن فيتعلمه، ولهذا، جاء عقيب ذلك مباشرة الاستفهام الخبري الاستنكاري الذي يقرر به الملك جل وعلا أن الذين يعلمون والذين لا يعلمون لا يستوون أبدا! فالذي لا يعلم، لم يحقق لا خشية ولا حذرا ولا قياما ولا صلاة ولا سجودا ولا قنوتا ولا شيئا من ذلك، وانما من جهله وبغيه أشرك بالله جل وعلا ودعا من دونه أندادا!! وليت القارئ الفطن يتأمل ترتيب رب العزة جل وعلا في ذكره لصنوف العلم ومراتبه والتي لا يستوي العالم بها بالجاهل، فبدأ بالثناء على من أثنى عليه من بعد ذم الذي أشرك واتخذ مع الله أندادا، فقدم بذلك علوم التوحيد والتي يعرف بها أسماء الله وصفاته، والتي يعرف بها معنى توحيد القصد والطلب والارادة والمحبة والرجاء وسائر أعمال القلب والجوارح لله وحده جل في علاه ... والتي لا يتأتى شيء من مراتب الايمان الا تأسيسا عليها ...
فأردف بعد في الآية التالية بذكر صفات استحق بها الموحد - بعد كونه موحدا قاصدا الله وحده بالعبادة - من أنه يحذر الآخرة ويخشى الله ويتقرب اليه بشتى العبادات التي تعلم ما به يحسنها ويؤديها على نحو ما يريد منه ربه تبارك وتعالى ... ثم يتبع ذلك بمزيد من مراتب العلم في الآية التالية مباشرة اذ يقول جل في علاه: (( قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) )
فيأمر الذين آمنوا - وتأمل - بأن يتقوا ربهم، من بعد ما أثنى على الذين يعلمون، فدل على أنه يحثهم على تعلم ما به تزداد تقوى قلوبهم، ويزداد احسانهم وصبرهم، فيثقل عند الرب أجرهم .. وجماع ذلك كله ما أتى بعد ذلك من أمره سبحانه النبي عليه السلام أن يقول للمؤمنين أن شرط صحة العبادات جميعا، بعد أن تكون على نحو ما يريدها الرب جل وعلا، أن تكون مبنية على الاخلاص والصدق في قصد الرب وحده لا شريك له ....
فنعم ثمرة العلم ونعم الفروع التي تنمو من شجرة التوحيد والتي لا تكون الا فيمن فقه التوحيد وحققه حق التحقيق في قلبه وجوارحه، والحمد لله رب العالمين.
(يُتْبَعُ)