فهرس الكتاب

الصفحة 9465 من 20085

ـ [ربيع أحمد السلفي] ــــــــ [15 - Nov-2008, صباحًا 11:43] ـ

فصل 2: الاستدلال بالعموم على الهيئات التعبدية بلا دليل منفصل لا يجوز:

لا يجوز الاستدلال على هيئة تعبدية بنص عام بل لا بد من دليل منفصل يبين أن هذه الهيئة تدخل في العبادة؛ لأن العبادة الأصل فيها التوقيف،ولا مجال للرأي فيها، وكم من بدع وقعت من أصحابها بسبب الاستدلال بالنصوص العامة على الهيئات التعبدية فهناك بدع تسمى البدع الإضافية،و البدع الإضافية هي ماكان الابتداع فيها مخالفًا للشرع من جهة موافقًا له من جهة أخرى فهي من وجه تضاف إلى الشرع ومن وجه آخر تباين الشرع، وصاحبها يتقرب إلى الله بالمشروع وغير المشروع،وبعض البدع التي يفعلها المبتدعة قد تكون أصولها ثابتة بالكتاب والسنة،ولكن اخترع المبتدعة فيها قيدًا أو شرطًا أو صفة جديدة لم يدل عليها الدليل فإذا أنكرت عليهم ذلك احتجوا عليك بالأدلة التي تثبت أصل العبادة، وكل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، مع قيام المقتضي له، وزوال المانع يدل على أن السنة تركه،وهي مقدمة على كل عموم وكل قياس. ومن الأمثلة على البدع الإضافية الأذكار الجماعية إذا أنكرت على فاعلوها احتج بالأدلة العامة التي تثبت مشروعية الذكر كقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا? [12] ونحوها من الآيات الدالة على شرعية أصل الذكر، فهذه العبادة تكون مشروعة بأصلها ممنوعة بوصفها، أي إن هذا الوصف الجديد يحتاج إلى دليل جديد،ولا يكتفى فيه بمجرد الأدلة المثبتة له، فالأدلة التي تثبت أصل العبادة شيء، وفعلها على وصفٍ معين شيء آخر، فلابد من دليل زائد يثبت هذا الوصف بعينه؛ لأن الأصل أن العبادة توقيفية وكذلك كيفيتها وشروطها توقيفية،وذلك مثل قولنا إن دليل التحريم لا يستفاد منه النجاسة؛ لأن التحريم شيء والنجاسة شيء آخر، بل لابد من دليل آخر يدل على النجاسة،ولا يكتفى بمجرد دليل التحريم فكذلك هنا فقولنا: الذكر الجماعي بدعة لا نعني به من حيث كونه ذكرًا إذا كانت ألفاظه لا محذور فيها،وإنما نعني أن فعله بهذه الصفة هو البدعة، فعلينا التفريق بين أدلة مشروعية الشيء وأدلة إيقاعها على صفةٍ معينة،فأين الدليل على شرعية هذه الهيئة في الذكر؟ ومن البدع الإضافية مصافحة الناس بعضهم بعضا بعد الصلاة فهناك أدلة عامة تثبت مشروعية المصافحة لكن لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه المصافحة بعد الفراغ من الصلاة،ومن البدع الإضافية رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة فهناك نصوص عامة تثبت مشروعية رفع اليدين والدعاء لكن لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه فعل ذلك بعد الصلاة،ومن البدع الإضافية الأذان في العيدين فقد استدل فاعلوه بأنه ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات. كقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا? [13] ، وقوله تعالى: ?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ? [14] فيقال لهم لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه الآذان في العيدين،و ترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع وجود ما يعتقد مقتضيا، وزوال المانع، يدل على أن السنة ترك الآذان،وليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر، أو الحج، ومن البدع الإضافية قراءة سورة الإخلاص عقب كل أربع ركعات في صلاة التراويح فهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، و لا عن أصحابه و إليكم هذا الحديث الذي يقوي القول بأن الاستدلال بالعموم على الهيئة بلا دليل منفصل لا يجوز،وهو عنعمر بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد قلنا لا فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن اني رأيت في المسجد أنفا أمرا أنكرته ولم أر والحمد لله الا خيرا قال فما هو فقال ان عشت فستراه قال رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصا فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة قال فماذا قلت لهم قال ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك أو انتظار أمرك قال أفلا أمرتهم ان يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال ما هذا الذي أراكم تصنعون قالوا يا أبا عبد الله حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون و هذه ثيابه لم تبل وأنيته لم تكسر والذي نفسي بيده أنكم لعلي ملة هي أهدي من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة قالوا والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: و كم من مريد للخير لن يصيبه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم ثم تولى عنهم فقال عمرو بن سلمة رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج [15] أرأيتم أتت نصوص عامة بمشروعية الذكر والحض على ذكر الله أتت نصوص عامة بمشروعيته لكن هذه الكيفية سبحوا مائة وغيرها لم تردعن النبي صلى الله عليه وسلم، و لا عن أصحابه وهم أعلم بسنته منا فدل هذا على أن هذه الهيئة لاتجوز.

[12] - سورة الأحزاب من الآية 41

[13] - سورة الأحزاب من الآية 41

[14] - سورة فصلت من الآية 33

[15] - سنن الدارمي 1/ 79 حديث رقم 204 باب كراهية أخذ الرأي قال حسين أسد إسناده جيد (الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة الأولى، 1407هـ)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت