إعراب القرآن الكريم، ج 9، ص: 620
جهنم وألمها هو كقولك: وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرها ولفحتهم بإيلامها فكأنما تمسهم مسا بذلك كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذي ويؤلم.
وقيل: إن جهنم أفظع من النار إذ إن النار: مطلقة وجهنم: أشدها كقوله تعالى في سورة «غافر» : وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أي للقوام بتعذيب أهلها. ولم يقل: لخزنتها «أي بعودة الضمير على النار» وإنما ذكر جهنم تهويلا وتفظيعا وتفخيما والتفخيم في ذلك من وجهين: أحدهما: وضع الظاهر موضع المضمر والثاني: ذكره وهو شيء واحد بظاهر غير الأول أفظع منه. وقيل: ويحتمل أن تكون جهنم هي أبعد النار قعرا .. من قولهم:
بئر جهنام: أي بعيدة القعر وقولهم في «النابغة» : جهنام تسمية بها لزعمهم أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه فهو بعيد الغور في علمه بالشعر والوجه الأول أظهر وأدق.
** إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ: هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الرابعة والخمسين .. وفيه عطف «النهر» وهو مفرد على «جنات» وهي جمع لأن المراد: الأنهار فقد عبر بالواحد عن الجمع مكتفيا باسم الجنس. و «النهر» بسكون الهاء وفتحها .. وعبر سبحانه بالواحد عن الجمع كما في قوله تعالى وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ أي الأدبار .. يقال: نهر الفلاح النهر - نهرا: أي حفره وهو من باب «قطع» ونهر الماء بمعنى: جرى في الأرض وجعل لنفسه نهرا .. من هذين المثالين يتبين أن الفعل «نهر» يأتي لازما ومتعديا وكل كثير جرى فقد نهر الدم:
بمعنى: أرسله وأنهر الرجل: أي دخل في النهار ونهره وانتهره: بمعنى: زجره ..
و «النهار» ضد الليل ولا يجمع كما لا يجمع العذاب والسراب وإن جمعت قلت في القليل أنهر وفي الكثير: نهر - بضم النون والهاء. قال ابن كيسان:
لو لا الثريدان لمتنا بالضمر ... ثريد ليل وثريد بالنهر
و «الضمر» بسكون الميم وضمها: هو الهزال - بضم الهاء - وخفة اللحم ومنه: فرس ضامر وناقة ضامرة يروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد! فقال: وهل في الماء سرف؟ قال - صلى الله عليه وسلم-: نعم وإن كنت على نهر جار. صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.
[سورة القمر (54) : آية 32]
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(32)
هذه الآية الكريمة أعربت في الآيتين الكريمتين: الخامسة عشرة والسابعة عشرة.
[سورة القمر (54) : آية 33]
كَذَّبَتْ قَوْمُ: فعل ماض مبني على الفتح والتاء تاء التأنيث الساكنة لا محل لها. قوم: فاعل مرفوع بالضمة.
لُوطٍ بِالنُّذُرِ: مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة جره الكسرة المنونة.
بالنذر: جار ومجرور متعلق كذبت أي بالإنذارات .. أي إنذارات نبيهم