فهرس الكتاب

الصفحة 1432 من 2406

فهذا الأصل الذي ذكرناه. ثم يقال *لضرب من السدر عُبْرِيٌّ، وإنما يكون كذلك إذا نَبَتَ على شُطوط الأنهار. والشّطُّ يُعْبَرُ ويعبر إليه. قال العجّاج:

* لاثٍ بها الأَشاءُ والعُبْرِيُّ ( [16] ) *

الأَشاء: الفَسِيل ( [17] ) ، الواحدة أَشَاءة ( [18] ) وقد ذكرناه. ويقال إنّ العُبْريَّ لا يكون إلاّ طويلًا، وما كان أصغَرَ منه فهو الضَّالُ. قال ذو الرُّمّة:

قَطعْتُ إذا تجوّفت العواطِي *** ضَرُوبَ السِّدْرِ عَبْرِيًّا وضَالا ( [19] )

ويقال: بل الضّالُ ما كان في البَرّ.

ومن الباب: عَبَرَ الرُّؤْيا يعبرها عَبْرًَا وعِبارة، ويُعبِّرُها تعبيرًا، إذا فسَّرَها. ووجه القياس في هذا عُبُور النَّهْر؛ لأنه يصير من عَِبْر إلى عَِبْر. كذلك مفسِّر الرُّؤيا يأخُذُ بها من وجهٍ إلى وجهٍ، كأن ( [20] ) يُسأل عن الماء، فيقول: حياة. ألا تراه قد عَبَر في هذا ( [21] ) من شيءٍ إلى شيء.

ومما حُمِل على هذه: العِبارة، قال الخليل: تقول: عَبَّرت عن فلانٍ تعبيرًا، إذا عَيَّ بحُجّته فتكلَّمت بها عنه. وهذا قياسُ ما ذكرناه؛ لأنَّه لم يقدِر على النُّفوذ في كلامه فنفَذَ الآخَر بها عنه.

فأمّا الاعتبار والعِبْرة فعندنا مقيسانِ من عَبْريِ النَّهر؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهما عِبرٌ مساوٍ لصاحبه ( [22] ) فذاك عِبرٌ لهذا، وهذا عِبرٌ لذاك. فإذا قلت اعتبرت الشَّيء، فكأنك نظرتَ إلى الشَّيء فجعلتَ ما يَعْنِيك عِبرًا لذاك: فتساويا عندك. هذا عندنا اشتقاقُ الاعتبار. قال الله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر 2] ، كأنَّه قال: انظروا إلى مَنْ فعل ما فَعل فعُوقِب بما عوقب به، فتجنَّبوا مثلَ صنيعهم لئلاَّ ينزل بكم مثلُ ما نَزَل بأولئك. ومن الدَّليل على صِحَّة هذا القياس الذي ذكرناه، قولُ الخليل: عَبَّرت الدَّنانيرَ تعبيرًا، إذا وزَنْتَها دينارًا [دينارًا] . قال: والعِبرة: الاعتبارُ بما مضى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت