فهرس الكتاب

الصفحة 1308 من 2406

فأمَّا قولُهم عفا: درس، فهو من هذا؛ وذلك أنّه شيء يُترَك فلا يُتعهَّد ولا يُنزَل، فيَخفى على مرور الأيّام. قال لبيد:

عَفَتِ الدِّيار محلُّها فمُقامها *** بمِنىً تأبَّد غَوْلُها فِرجامُها ( [18] )

ألا تراه قال"تأبَّد"فأعْلَمَ أنَّه أتى عليه أبَدٌ. ويجوز أن يكون تأبَّد، أي أَلِفَتْه الأوابد، وهي الوحش.

فهذا معنى العفو، وإليه يرجع كلُّ ما أشبهه.

وقول القائل: عفا، درس، وعفا: كثُر -وهو من الأضداد- ليس بشيء، إنّما المعنى ما ذكرناه، فإذا تُرِك ولم يُتعهَّد حتّى خَفِيَ على مَرّ الدهر فقد عفا، وإذا تُرِك فلم يُقطَع ولم يُجَزَّ فقد عفا ( [19] ) . والأصل فيه كلِّه التَّرك كما ذكرناه.

ومن هذا الباب قولُهم: عليه العَفاء، فقال قومٌ هو التُّراب؛ يقال ذلك في الشَّتيمة. فإن كان صحيحًا فهو التُّراب المتروك الذي لم يُؤثَّر فيه ولم يُوطَأ؛ لأنّه إذا وُطِئ ولم يُترَك من المَشْي عليه تكدَّدَ فلم يكُ ترابًا. وإن كان العَفاء الدّروس فهو على المعنى الذي فسّرناه. قال زُهير:

تحمّل أهلُها عنها فبانُوا *** على آثارِ مَن ذَهَب العَفاءُ ( [20] )

يقال عفَت الدار فهي تعفو عَفاءً، والرِّيح تعفو الدّار عَفاءً وعَفْوًا. وتعفَّت الدّارُ تَعَفِّيًا ( [21] ) .

قال ابنُ الأعرابيّ: العفو في الدّار: أن يكثُر التُّرابُ عليها حتّى يغطِّيَها. والاسم العَفاء، والعَفو.

ومن الباب العِفو والعُفو ( [22] ) ، والجمع العِفاء، وهي الحُمُر الفِتاء ( [23] ) ، والأنثى عفوة والجمع عِفَوَة. وإنّما سمِّيت بذلك لأنَّها تُترك لا تُركَب ولا يُحمل عليها. فأمّا العِفَوَة في هذا الجمع فلا يُعلَم في كلام العرب واوٌ متحرِّكة بعد حرفٍ متحرّك في آخر البناء غير هذه، وذلك أنَّهم كرهوا أن يقولوا عِفَاةٌ.

قال الفراء: العِفْوُ والعُفْو، والعِفْي والعُفْي: ولد الحمار، والأنثى عِفوة، والجمع عِفاء. قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت