[فصل]
اعلم أن المسخ قد وقع في هذه الأمة أيضاً، ومنه ما روي عن أبي علقمة أنه قال: كنت في قافلة عظيمة فأمرنا رجلاً نرتحل بأمره وننزل بأمره فنزلنا منزلاً وهو يشتم أبا بكر وعمر فقلنا له في ذلك فلم يجب إلينا بشيء فلما أصبحنا وأوقرنا وأصلحنا الراحلة لم يناد مناديه فجئناه ننظر ما حاله وما يصنع، فإذا هو متربع وقد غطى رجليه بكساء له فكشفنا عنهما فإذا هو قد صار رجلاه كرجلي الخنازير فهيأنا راحلته وحملناه إليها فوثب من راحلته وقام برجليه وصاح ثلاث مرات صيحة الخنازير واختلط بالخنازير وصار خنزيراً حتى لا يعرفه منا أحد كذا في «روضة العلماء» .
-روي - أن واحداً من رواة الأحاديث تحول رأسه رأس حمار لإنكار وقوع مضمون حديث صحيح ورد في حق المقتدي بالإمام الرافع رأسه قبله أو واضعه.
وحاصل الحديث: «أن من رفع رأسه قبل الإمام أو وضعه كيف لا يخاف من أن يصير رأسه رأس حمار» ، فوقع فيما وقع وهذا هو مسخ الصورة ومسخ المعنى أشد وأصعب منه فإن أعمى الصورة مثلاً يمكن أن يكون في الآخرة بصيراً ولكن من كان في هذه أعمى يعني بالقلب فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً وفضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة.
فعلى السالك أن يجتهد حتى لا يرد وجهه الناطق إلى الله تعالى على الدنيا واتباع الهوى ولا يمسخ صفاته الإنسانية بالسبعية والشيطانية.
قال الإمام في تفسير الآية:
وتحقيق القول فيها أن الإنسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس ثم إنه عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات فقدامه عالم المعقولات ووراءه عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه إلى خلفه كما قال تعالى في وصفهم {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ} (السجدة: 12) انتهى.
فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الشر بعد الخير، عن عبد الله بن أحمد المؤذن قال: كنت أطوف حول البيت وإذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم أخرجني من الدنيا مسلماً لا يزيد على ذلك شيئاً فقلت له: لم لا تزيد على هذا الدعاء فقال: لو علمت قصتي كنت تعذرني فقلت: وما قصتك؟ قال: كان لي أخوان وكان الأكبر منهما مؤذناً أذن أربعين سنة احتساباً فلما حضره الموت دعا بالمصحف فظننا أن يتبرك به فأخذه بيده وأشهد على نفسه من حضر أنه بريء مما فيه ثم تحول إلى دين النصرانية فمات نصرانياً فلما دفن أذن الآخر ثلاثين سنة فلمّا حضره الموت فعل كما فعل الآخر فمات على النصرانية وإني أخاف على نفسي أن أصير مثلهما فأدعو الله تعالى أن يحفظ على ديني، فقلت: ما كان ديدنهما؟ فقال: كانا يتتبعان عورات النساء وينظران إلى المردان، فهذا من آثار الرد واللعن والمسخ، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا لتزكية النفس وإصلاحها ويختم عاقبتنا بالخير.