[فصل]
واعلم أن نفس الإنسان وذاته الذي هو مخاطب مكلف مأمور منهي بأوامر الله ونواهيه جسماني لطيف سار في هذا البدن المحسوس سريان النار في الفحم وماء الورد في الورد وهو الذي يشير إليه كل أحد بقوله: أنا وهو الإنسان حقيقة وهو الولي والنبي والمثاب والمعاقب على أعماله وهو كان في صلب آدم حين سجد له الملائكة وهو الذي سأله الله بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} (الأعراف: 172) وهو الذي يتوفى في المنام ويخرج ويسرح ويرى الرؤيا فيسر بما يرى أو يحزن فإن أمسكه الله ولم يرجع إلى جسده تبعه الروح والجسد الكثيف المعبر عنه بالبدن والروح السلطاني محل تعينه هو القلب الصنوبري والروح الحيواني محل تعينه هو الدماغ ويقال له القلب والعقل والنفس أيضاً سرى في جميع أعضاء البدن إلا أن سلطانه قوي في الدماغ فهو أقوى مظاهره وهو أي: الروح الحيواني إنما حدث بعد تعلق الروح السلطاني بهذا الهيكل فهو من انعكاس أنوار الروح السلطاني ليكون مبدأ الأفعال لأن الحياة أمر مغيب مستور في الحي لا يعلم إلا بآثارها كالحس والحركة والعلم والإرادة وغيرها، وهذا يدور على الروح الحيواني فما دام هذا البخار باقياً على الوجه الذي يصلح أن يكون علاقة بينهما فالحياة قائمة وعند انتفائه وخروجه عن الصلاحية له نزول الحياة ويخرج الروح من البدن خروجاً اضطرارياً وهو الموت الحقيقي وكما يخرج الروح من البدن خروجاً اضطرارياً كذلك قد يخرج منه خروجاً اختيارياً ويعود إليه متى شاء وهو الذي سماه الصوفية بالانسلاخ فقد عرفت من هذا أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الروح جسم لطيف مغاير لهذا الهيكل المحسوس وانكشف لك حال الروح ووقف على أسرار البرزخ وأحوال القبر وما فيه من الألم واللذة الجسمانيين وانحل عندك وجه كونه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، فالشهداء أحياء بالحياة البرزخية متنعمون لأنهم أجسام لطيفة كالملائكة فإنهم موجودون أحياء.