الكرسي ما يجلس عليه من الشيء المركب من خشبات موضوعة بعضها فوق بعض ولا يفضل على مقعد القاعدة وكأنه منسوب إلى الكرس الذي هو الملبد وهو ما يجعل فيه اللبدة أي: لم يضق كرسيه عن السماوات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد.
وتقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم كما جعل الكعبة بيتاً له يطوف الناس به كما يطوفون بيوت ملوكهم وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله تعالى في أرضه ثم جعله موضعاً للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء فوضع الميزان وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5) ثم أثبت لنفسه كرسياً فقال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} والحاصل أن كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش والكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر.
ولما توافقت الأمة ههنا على أن المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بأنه تعالى منزه عن أن يكون في الكعبة ما يوهمه تلك الألفاظ فكذا الكلام في العرش والكرسي.
والمعتمد كما قال الإمام: إن الكرسي جسم بين يدي العرش محيط بالسماوات السبع لأن الأرض كرة والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة بالبيضة من جميع الجوانب والثانية محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطاً بالكل قال صلى الله عليه وسلّم «ما السماوات السبع والأرضون السبع من الكرسي إلا كحلقة في فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة»
ولعله الفلك الثامن وهو المشهور بفلك البروج.
وفي «التأويلات النجمية» :
أما القول في معنى الكرسي فاعلم أن مقتضى الدين والديانة أن لا يؤول المسلم شيئاً من الأعيان مما نطق به القرآن والأحاديث بالمعاني إلا بصورها كما جاء وفسرها النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم إلا أن يكون محققاً خصصه الله بكشف الحقائق والمعاني والأسرار وإشارات التنزيل وتحقيق التأويل فإذا كوشف بمعنى خاص أو إشارة وتحقيق يقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط وفي الجنة من الحور والقصور والأنهار والأشجار والثمار وغيرها من العرش والكرسي والشمس والقمر والليل والنهار ولا يؤول شيئاً منها على مجرد المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائق معانيها فإن الله تعالى ما خلق شيئاً في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى وما خلق شيئاً في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب فافهم جداً وما خلق في العالمين شيئاً إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان فإذا عرفت هذا فاعلم أن مثال العرش في عالم الإنسان قلبه إذ هو محل استواء الروح عليه ومثال الكرسي سر الإنسان والعجب كل العجب أن العرش مع نسبته إلى استواء الرحمانية قيل: هو كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن انتهى ما في «التأويلات» .