{وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت والجحيم المكان الشديد الحر.
وقرئ {وَلَا تَسْأَلْ} بفتح التاء وجزم اللام على أنه نهي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه على ما روي أنه عليه السلام قال: «ليت شعري ما فعل أبواي» أي: ما فعل بهما وإلى أي: حال انتهى أمرهما فنزلت.
واعلم أن السلف اختلفوا في أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلّم هل ماتا على الكفر أو لا؟ ذهب إلى الثاني جماعة متمسكين بالأدلة على طهارة نسبه عليه الصلاة والسلام من دنس الشرك وشين الكفر وعبادة قريش صنماً وإن كانت مشهورة بين الناس لكن الصواب خلافه لقول إبراهيم عليه السلام {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} (إبراهيم: 35) وقوله تعالى في حق إبراهيم {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} وذهب إلى الأول جمع منهم صاحب «التيسير» حيث قال ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين كان يذكر عقوبات الكفار فقام رجل فقال: يا رسول الله أين والدي فقال في النار فحزن الرجل فقال عليه السلام: «إن والديك ووالدي ووالدي إبراهيم في النار» فنزل قوله تعالى: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}
فلم يسألوه شيئاً بعد ذلك [1] وهو كقوله {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة: 101)
وذهب نفر من هذا الجمع بنجاتهما من النار منهم الإمام القرطبي حيث قال في «التذكرة» إن عائشة رضي الله عنها قالت: حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم حجة الوداع فمر على عقبة الحجون وهو باككٍ حزين مغتم فبكيت لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم إنه ظفر فنزل فقال: «يا حميراء استمسكي» أي زمام الناقة فاستندت إلى جنب البعير فمكث عني طويلاً ثم إنه عاد إلي وهو فرح متبسم فقلت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله نزلت من عندي وأنت باككٍ حزين مغتم فبكيت لبكائك يا رسول الله؟ ثم إنك عدت إلي وأنت فرح متبسم فعما ذا يا رسول الله فقال: «ذهبت لقبر آمنة أمي فسألت الله ربي أن يحييها فأحياها فآمنت» وروى أن الله أحيا له أباه وأمه وعمه أبا طالب وجده عبد المطلب قال الحافظ شمس الدين الدمشقي:
حبا الله النبي مزيد فضل ... على فضل وكان به رؤوفاً
فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلاً لطيفاً
فسلم فالقديم به قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفاً
[1] قال صاحب المنار ما نصه:
وزعم بعض المفسرين أن النهي على حقيقته، وأنه خاص بنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السؤال عن أبويه، ورووا فِي ذلك أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فزارهما ودعا لهما وتمنى لو يعرف حالهما فِي الآخرة وقال: ليت شعرى ما فعل أبواى؟ فنزلت الآية فِي ذلك. والحديث قال الحافظ العراقي: إنه لم يقف عليه، وقال السيوطي: لم يرد فِي ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد.
قال الأستاذ الإمام: وقد فشا هذا القول، ولولا ذلك لم نذكره، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفشو فِي المسلمين بضعف العلم، والصحيح يهجر وينسى، ولا شك أن مقام النبي - عليه الصلاة والسلام - فِي معرفة أسرار الدين وحكم الله فِي الأولين والآخرين ينافى صدور مثل هذا السؤال عنه، كما أن أسلوب القرآن يأبى أن يكون هو المراد منه. انتهى انتهى. {تفسير المنار. 1/ 264}