فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 3176

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) }

و (ما) اسمية إبهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر إبهاماً وشياعاً كأنه قيل مثلاً ما من الأمثال أي: مثل كان فهي صفة لما قبلها وبعوضة بدل من مثلاً.

{فَمَا فَوْقَهَا} أي: فيذكر الذي هو أزيد منها كالذباب والعنكبوت أو فما دونها في الصغر قيل: إنه من الأضداد

قلت في هذه الآية كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثل آلهتكم بالبعوضة فما دونها فما ظنكم بالعنكبوت والذباب.

قال الربيع بن أنس ضرب المثل بالبعوضة عبرة لأهل الدنيا، فإن البعوضة تحيا ما جاعت وتموت إذا شبعت فكذا صاحب الدنيا إذا استغنى طغى وأحاط به الردى.

وقال الإمام أبو منصور:

الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله تعالى في الخلق الصغير الجثة والجسم أكثر منها في الكبار العظام لأن الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب وتركيب ما يحتاج من الفم والأنف والعين والرجل واليد والمدخل والمخرج ما قدروا عليه ولعلهم يقدرون على تصوير العظام من الأجسام الكبار منها فالبعوضة أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيه الفيل الكبير القوي.

وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال عليه السلام: «إن الله خلق آدم على صورته»

أي: على صفته فعلى قدر ضعف الإنسان أعطاه الله تعالى من كل صفة من صفات جماله وجلاله أنموذجاً ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه [1] كما قال: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»

وليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان كما قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الإسراء: 70) .

[1] لابد أن يفهم هذا الكلام في إطار قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت