[فصل]
اعلم أن من السالكين من يقطع العقبات ويحرق الحجب في سبعين سنة ومنهم من يقطعها في عشرين سنة ومنهم من يحصل له في سنة ومنهم من يقطعها في شهر بل في جمعة بل في ساعة حتى أن منهم من تحصل له في لحظة بتوفيق خاص وعناية سابقة أما تذكر سحرة فرعون ما كان مدتهم إلا لحظة حيث رأوا معجزة موسى قالوا: آمنا برب العالمين فأبصروا الطريق وقطعوه حقه فصاروا من ساعة إلى ساعة بل أقل من العارفين بالله.
-وحكي - أن إبراهيم بن أدهم كان على ما كان عليه من أمر الدنيا فعدل عن ذلك وقصد
الطريق الحق فلم يكن إلا مقدار سيره من بلخ إلى مرو الروذ حتى صار بحيث أشار إلى رجل سقط من القنطرة في الماء الكثير هنالك أن قف فوقف الرجل مكانه في الهواء فتخلص، وأن رابعة البصرية كانت أمة كبيرة يطاف بها في سوق البصرة لا يرغب فيها أحد لكبر سنها فرحمها بعض التجار فاشتراها بنحو مائة درهم فأعتقها فاختارت الطريق الحق فأقبلت على العبادة فما تمت لها سنة حتى زارها قراء البصرة وعلماؤها لعظم منزلتها.
وأما الذي لم تسبق له العناية ولا توجهت له ولم يعامل بالفضل فيوكل إلى نفسه فربما يبقى في شعب من عقبة واحدة من العقبات سبعين سنة ولا يقطعها، وكم يصيح وكم يصرخ ما أظلم هذا الطريق وأشكله وأعسر هذا الأمر وأعضله.
فإن قلت لم اختص هذا بالتوفيق الخاص وحرم هذا وكلاهما مشتركان في ربقة العبودية فعند هذا السؤال تنادي من سرادق الجلال أن الزم الأدب واعرف سر الربوبية وحقيقة العبودية، فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ذلك تقدير العزيز العليم وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
اللهم اجعلنا ممن سبقت له العناية وتقدم في حقه التوفيق الخاص والهداية آمين يا رب العالمين.