{فَوَيْلٌ} كلمة يقولها كل واقع في هلكة بمعنى الدعاء على النفس بالعذاب أي: عقوبة عظيمة.
وقال سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه: إنه واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حره أي: ذابت
{لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ} المحرف {بِأَيْدِيهِمْ} تأكيد لدفع توهم المجاز فقد يقول إنسان كتبت إلى فلان إذا أمر غيره أن يكتب عنه إليه
لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً هو ما أخذوه من الرشى بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل الزائغ
وإنما عبر عن المشترى الذي هو المقصود بالذات في عقد المعاوضة بالثمن الذي هو وسيلة فيه إيذاناً بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلة والوسيلة مقصودة بالذات {قَلِيلاً} لا يعبأ به إنما وصفه بالقلة إما لفنائه وعدم ثوابه، وإما لكونه حراماً لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله كذا في «تفسير القرطبي» .
{فَوَيْلٌ لَّهُمْ} أي: العقوبة العظيمة ثابتة لهم {مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} من أجل كتابتهم إياه {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} من أخذهم الرشوة وعملهم المعاصي وأصل الكسب الفعل لجر نفع أو دفع ضر ولهذا لا يوصف به سبحانه.
وفي الآيات إشارات:
الأولى: إن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله لا يفيده الإيمان الحقيقي إلا أن يتداركه الله بفضله ورحمته قال الله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} (النور: 21) وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: {يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (ص: 75) وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيداً من الله بفضله ورحمته ولم يبق على الإيمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان.
والثانية: إن العالم المعاند والعامي المقلد سواء في الضلال لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم وأن الدين ليس بالتمني فالذين ركنوا إلى التقليد المحض واغتروا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة فهم الذين لا تصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام فالمدعي والمتمني عاقبتهما خسران وضلال وحسرة وندامة ووبال.