فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 3176

قالوا: السمع أفضل من البصر لأنه تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ولأن السمع شرط النبوة ولذلك ما بعث الله تعالى رسولاً أصم ولأن السمع وسيلة إلى استكمال العقل بالمعارف التي تتلقف من أصحابها {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} جمع بصر وهو إدراك العين وقد يطلق مجازاً على القوة الباصرة وعلى العضوين وهو المراد ههنا لأنه أشد مناسبة للتغطية {غِشَاوَةٌ} أي: غطاء ولا تغشية على الحقيقة وإنما المراد بها إحداث حالة تجعل أبصارهم بسبب كفرهم لا تجتلي الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق كما تجتليها أعين المستبصرين وتصير كأنها غطى عليها وحيل بينها وبين الأبصار ومعنى التنكير أن على أبصارهم ضرباً من الغشاوة خارجاً مما يتعارفه الناس وهي غشاوة التعامي عن الآيات. قوله: {غِشَاوَةٌ} مبتدأ مؤخر خبره المقدم قوله: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} ولما اشترك السمع والقلب في الإدراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات وإدراك الأبصار مما اختص بجهة المقابلة جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة.

قال في التيسير: إنما ذكر في الآية القلوب والسمع والأبصار لأن الخطاب كان باستعمال هذه الثلاثة في الحق كما قال تعالى:{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}(البقرة: 44){أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ}(الذاريات: 21){أَفَلاَ تَسْمَعُونَ}(القصص: 71).

{وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} أي: عقوبة شديدة القوة ومنه العظم والعذاب كالنكال بناء ومعنى يقال أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، وسمي العذاب عذاباً لأنه يمنع عن الجناية إذا تأمل فيها العاقل ومنه الماء العذب لما أنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخاً لأنه ينقخ العطش أي: يكسره وفراتاً لأنه يرفته على القلب يعني الفرات وهو الماء العذب مأخوذ من الرفت وهو قلبه وقيل إنما سمي به لأنه جزاء ما استعذبه المرء بطبعه أي: استطابه ولذلك قال: {فَذُوقُواْ عَذَابِي} (القمر: 37)

وإنما يذاق الطيب على معنى أنه جزاء ما استطابه واستحلاه بهواه في الدنيا.

والعظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير فكان العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير.

قال في «التيسير» :

عظيم أم كبير أو كثير أو دائم وهو التعذيب بالنار أبداً ثم عظمه بأهواله وبشدة أحواله وكثرة سلاسله وأغلاله فتكون هذه الآية وعيداً وبياناً لما يستحقونه في الآخرة.

وقيل هو القتل والأسر في الدنيا والتحريق بالنار في العقبى ومعنى التوصيف بالعظيم أنه إذا قيس سائر ما يجانسه قصر عنه جميعه ومعنى التنكير أن لهم من الآلام نوعاً عظيماً لا يعلم كنهه إلا الله عز وجل. فعلى العاقل أن يجتنب عما يؤدي إلى العذاب الأليم والعقاب العظيم وهو الإصرار على الذنوب والإكباب على اقتراف الخطيئات والعيوب. قيل في سبب الحفظ من هذه العقوبة التي هي الختم على الكيس فلا يمنعه عن حق ووضع الختم على اللسان فلا يطلقه في باطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت