{فَاذْكُرُونِي} بالطاعة لقوله عليه السلام: «من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وقراءته القرآن ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وقراءته القرآن»
{أَذْكُرْكُمْ} بالثواب واللطف والإحسان وإفاضة الخير
وفتح أبواب السعادات وأطلق على هذا المعنى الذكر الذي هو إدراك مسبوق بالنسيان والله تعالى منزله عن النسيان بطريق المجاز والمشاكلة لوقوعه في صحبة ذكر العبد.
{وَاشْكُرُواْ لِي} على ما أنعمت عليكم من النعم والذكر والطاعة هو الشكر فقوله واشكروا لي أمر تخصيص شكرهم به تعالى لأجل أفضاله وإنعامه عليهم وأن لا يشكروا غيره.
وجعل صاحب «التيسير» قوله تعالى: فاذكروني أمراً بالقول وقوله: واشكروا لي أمراً بالعمل.
قال الراغب: إن قيل ما الفرق بين شكرت لزيد وشكرت زيداً؟
قيل: شكرت له هو أن تعتبر إحسانه الصادر عنه فتثني عليه بذلك، وشكرته إذا لم تلتفت إلى فعله بل تجاوزت إلى ذكر ذاته دون اعتبار أحواله وأفعاله فهو أبلغ من شكرت له.
وإنما قال: {واشكروا لي} ولم يقل واشكروني علماً بقصورهم عن إدراكه بل عن إدراك آلائه كما قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} (إبراهيم: 34) فأمرهم أن يعتبروا بعض أفعاله في الشكر.
{وَلاَ تَكْفُرُونِ} بجحد النعم وعصيان الأمر.
فإن قيل: لم قال بعد {واشكروا لي} {ولا تكفرون} ولم يقتصر على قوله {واشكروا لي} ؟
قلنا لو اقتصر على قوله {واشكروا لي} لكان يجوز أن يتوهم أن من شكره مرة أو على نعمة ما فقد امتثل، ولو اقتصر على قوله {ولا تكفرون} لكان يجوز أن يتوهم أن ذلك نهي عن تعاطي فعل قبيح دون حث على الفعل الجميل فجمع بينهما لإزالة هذا التوهم، ولأن في قوله {ولا تكفرون} تنبيهاً على أن ترك الشكر كفران.
فإن قيل: لم قال ولا تكفرون ولم يقل ولا تكفروا لي؟
قيل: خص الكفر به تعالى بالنهي عنه للتنبيه على أنه أعظم قباحة بالنسبة إلى كفر نعمه فإن كفران النعم قد يعفى عنه بخلاف الكفر به تعالى كذا في «تفسير الراغب الأصفهاني» .
قال بعض العلماء:
لما خص الله هذه الأمة بفضل قوة وكمال بصيرة وبالنسبة إلى بني إسرائيل قال لهم: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} (البقرة: 40) فأمرهم بذكر نعمه المنسية المغفول عنها لينظروا منها إلى المنعم وقال لهذه الأمة {فَاذْكُرُونِي} فأمرهم أن يذكروه بلا واسطة لقوة بصيرتهم.