فهرس الكتاب

الصفحة 2530 من 3176

{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(113)}

وإذا كان الركون إلى من صدر منهم ظلم مرة في الإفضاء إلى مساس النار هكذا فما ظنك بالركون إلى من صدر منهم الظلم مراراً ورسخوا فيه؟

ثم بالميل إليهم كل الميل.

{وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}

وكلمة {ثُمَّ} لاستبعاد نصرة الله تعالى إياهم مع استحقاقهم العذاب بسبب ركونهم، ثم لا ينصركم الله؛ إذ سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم.

والآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه، والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ثم لا يرتدعون عن الظلم والميل إلى أهله ولا يتدبرون أنهم مؤاخذون غير منصورين.

[فصل]

الظالم يظلم على نفسه حيث يخرب أعضاءه الظاهرة والباطنة، وعلى الله حيث يخرب بنيان الله ويغيره ويفسده.

ودخل في الركون إلى الظالمين المداهنة والرضى بأقوالهم وأعمالهم ومحبة مصاحبتهم ومعاشرتهم، ومد العين إلى زهرتهم الفانية وغبطتهم فيما أوتوا من القطوف الدانية، والدعاء لهم بالبقاء وتعظيم ذكرهم، وإصلاح دواتهم وقلمهم ودفع القلم أو الكاغد إلى أيديهم والمشي خلفهم والتزيي بزيهم والتشبه بهم وخياطة ثيابهم وحلق رؤوسهم. وقد امتنع بعض السلف عن رد جواب الظلمة في السلام.

وقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا فقيل له: يموت فقال: دعه فإنه إعانة للظالم.

وقال غيره: يسقى إلى أن يثوب إلى نفسه ثم يعرض عنه.

وفي الحديث: العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم.

فإذا علمت هذا فاعلم أن الواجب عليك أن تعتزل عنهم بحيث لا تراهم ولا يرونك إذ لا سلامة إلا فيه، وأن لا تفتش عن أمورهم ولا تتقرب إلى من هو من حاشيتهم ومتصل بهم من إمامهم ومؤذنهم فضلاً عن غيرهم من عمالهم وخدمهم، ولا تتأسف على ما يفوت بسب مفارقتهم وترك مصاحبتهم.

وإنما ظهر الفساد في الرعايا وجميع أقطار الأرض براً وبحراً بفساد الملوك، وذلك بفساد العلماء أولاً؛ إذ لولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك، بل لو اتفق العلماء في كل عصر على الحق ومنع الظلم مجتهدين في ذلك مستفرغين مجهودهم لما اجترأ الملوك على الفساد ولاضمحل الظلم من بينهم رأساً وبالكلية، ومن ثم قال النبي عليه السلام: لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وكنفه ما لم يمالئ قرّاؤها أمراءها

وإنما ذكر القراء لأنهم كانوا هم العلماء وما كان علمهم إلا بالقرآن ومعانيهم إلا بالسنة، وما وراء ذلك من العلوم إنما أحدثت بعدهم كذا في بحر العلوم للشيخ علي السمرقندي قدس سره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت