{وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) }
قال بعضهم: وصف نوح عليه السلام نفسه بالتوكل على وجه يفيد الحصر فقال: {فعلى الله توكلت} وموسى عليه السلام أمر قومه بذلك فظاهر أن هذه الدرجة فوق درجة نوح انتهى.
يقول الفقير: كان الكلام في القصة الأولى مع نوح، وفي الثانية مع قوم موسى، ولذا اقتصر نوح في تخصيص التوكل بالله تعالى على نفسه، وموسى أمر بذلك؛ وذا لا يدل على رجحان درجته على درجة نوح في هذا الباب لتغاير الجهتين، كما لا يخفى على أولى الألباب.
{إن كنتم مسلمين} مستسلمين لقضاء الله مخلصين له، وليس هذا من تعليق الحكم الذي هو وجوب التوكل بشرطين مختلفين هما الإيمان بالله والإسلام، وإلا لزم أن لا يجب التوكل بمجرد الإيمان بالله، بل هما حكمان علق كل واحد منهما بشرط على حدة، علق وجوب التوكل على الإيمان بالله فإنه المقتضى له، وعلق حصول التوكل ووجوده على الإسلام، فإن الإسلام لا يتحقق مع التخليط، ونظيره إن أحسن إليك زيد فأحسن إليه إن قدرت.
وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي أن يتوكل أولاً لتجاب دعوته.
وحقيقة التوكل إسقاط الخوف والرجاء عما سوى الله تعالى، والاستغراق في بحر شهود المسبب والانقطاع عن ملاحظة الأسباب.
وقال بعضهم: التوكل تعلق القلب بمحبة القادر المطلق ونسيان غيره، يعني: لم يثبت لنفسه ولا لغيره قوة وتأثيراً بل كان منقاداً للحكم الأزلي بمثابة الميت في يد الغسال.