{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} الذين عمت فواضلهم وتمت فضائلهم.
ولامه يصلح للجنس فيدخل تحته هؤلاء والعهد فتكون الإشارة إليهم.
قال الفضيل بن عياض: الإحسان بعد الإحسان مكافأة والإساءة بعد الإساءة مجازاة، والإحسان بعد الإساءة كرم وجود، والإساءة بعد الإحسان لؤم وشؤم.
-حُكِيَ - أن خادماً كان قائماً على رأس الحسن بن علي رضي الله عنهما وهو مع أضيافه في المائدة فانحرفت قصعة كانت في يد الخادم فسقط منها شيء على الحسن فقال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} قال: قد عفوت عنك فقال: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال: أنت حر لوجه الله وقد زوجتك فلانة فتاتي وعليّ ما يصلحكما.
فإن كنت تأمل الجنة فاعبد ربك بأنواع العبادات ما دمت في الحياة فإن الفرصة غنيمة والمتأخر عن السير إلى الله مغبون.
والله تعالى خلق الإنسان لدخول الجنة ودرجاتها والنار ودركاتها ثم أرسل المرسلين مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار وحث بالاتقاء والحذر عن النار كما قال: {وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} وحرض على المسارعة إلى الجنة بقوله: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي سارعوا بقدم التقوى إلى مقام من مقامات قرب ربكم {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} يعني طولها فوق السماوات والأرض. والإشارة فيه أن الوصول إليها بعد العبور من ملك السماوات والأرض وهو المحسوسات التي تدركها الحواس الخمس والعبور عنها إنما يكون بقدم التقوى الذي هو تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة كما قال: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} فإن قدم التقوى الذي يولج به في عالم الملكوت هو التزكية
ويدل عليه ما قال عيسى عليه الصلاة والسلام: (لن يلج ملكوت السماوات والأرض من لم يولد مرتين) فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها وولوج الملكوت وهو التحلية بالصفات الروحانية وقوله: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} أي هم مخصوصون بها ومراتبهم في الدرجات العلى وهو بقدر تقوى النفوس وتزكيتها عصمنا الله وإياكم من الشرور والأوزار وشرفنا بمقامات الأبرار والأخيار.