ثم في قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} إشارة إلى أن من نتائج الإيمان وآثار العبودية أن يرى العبد نفسه أهلاً لكل شر ومولاه أهلاً لكل خير، فينسب كل ما يستحسنه لسيده مستعملاً حسن الأدب معه في كل أوقاته وذلك بأن يحمده على ما دق وجل ويستغفره من تفسيره في شكره له عليه ويتبرأ من حوله وقوته له في ذلك كله وبحسب هذا يكون شعاره الحمد لله أستغفر الله لا حول ولا قوة إلا بالله في جميع أوقاته وهو الذكر المنجي من عذاب الله في الدنيا والآخرة المقرب للفتح لمن لازمه.
واعلم أنك لا تصل إلى التحقيق إلا بمراقبة الأوقات بأحكامها من التوبة والاستغفار عند العصيان وشهود المنّة في الطاعة ووجود الرضى في النية ووجود الشكر في النعمة ولن تصل إلى ذلك إلا بتعلق قلبك بصلاح قلبك واتهام نفسك حتى في خروج نفسك وتصل إلى هذا بأحد أربعة أوجه: نور يقذفه الله في قلبك بلا واسطة، أو علم متسع في عقل كامل، أو فكرة سالمة من الشواغل، أو صحبة شيخ أو أخ هذه حاله. وقد قال الشيخ أبو مدين قدس سره: الشيخ من هذبك بأخلاقه وأدبك بإطراقه وأنار باطنك بإشراقه، الشيخ من جمعك في حضوره وحفظك في مغيبه فاعمل أيها العبد على تخليص نفسك من عالم جسمك حتى تخرج عن دائرة رسمك وتصل إلى تحقيق فهمك وعلمك.