فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 3176

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)}

استئناف مبني على سؤال ينسحب عليه الكلام كأنه قيل فماذا وقع بعد قبول توبته فقيل قلنا: {اهْبِطُواْ مِنْهَا} أي: من الجنة.

وكرر الأمر بالهبوط إيذاناً بتحتم مقتضاه وتحققه لا محالة ودفعاً لما عسى يقع في أمنيته عليه السلام من استتباع قبول التوبة للعفو عن ذلك ولأن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فاختلف المقصود وكان يصح لو قرن المعنيان بذكر الهبوط مرة لكن اعترض بينهما كلام وهو تلقيه الكلمات ونيله قبول التوبة فأعاد الأول ليتصل المعنى الثاني به وهو الابتلاء بالعبادة والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية.

قال في «الإرشاد» :

والثاني مقرون بوعد إيتاء الهدى المؤدي إلى النجاة وما فيه من وعيد العقاب فليس بمقصود من التكليف قصداً أولياً بل إنما هو دائر على سوء اختيار المكلفين.

ثم إن في الآية دليلاً على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها لأن آدم قد أخرج من الجنة بمعصية واحدة وهذا كما قال القائل:

إذا تم أمر دنا نقصه ... توقع زوالاً إذا قيل تم

إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .

{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ}

وكرر لفظ الهدى ولم يضمر بأن يقال فمن تبعه لأنه أراد بالثاني أعم من الأول وهو ما أتى به الرسل من الاعتقاديات والعمليات واقتضاه العقل أي: فمن تبع ما أتاه من قبل الشرع مراعياً فيه ما يشهد به العقل من الأدلة الآفاقية والأنفسية {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الدارين من لحوق مكروه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} من فوات مطلوب فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع أي: لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، ولا أنه لا يعتريهم نفس الخوف والحزن أصلاً بل يستمرون على السرور والنشاط كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاماً لجلال الله وهيبته واستقصاراً للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت