{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) }
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ} أي بأن يضلوك عن القضاء بالحق بتلبيسهم عليك مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم، وليس القصد فيه إلى نفي همهم بل إلى نفي تأثيره.
{وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} لأن وبالهم عليهم.
{وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} أي وما يضرونك شيئاً من الضرر لأن الله عاصمك وما خطر ببالك كان اعتماداً منك على ظاهر الأمر لا ميلاً في الحكم.
{وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} إذ لا فضل أعظم من النبوة العامة والرياسة التامة، ومن ذلك الفضل العظيم عصمته وتعليمه ما لم يعلم.
قال الحدادي في «تفسيره» وفي هذه الآيات دلالة أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم لغيره في إثبات حق أو نفيه غير عالم بحقيقة أمره وأنه لا يجوز للحاكم الميل إلى أحد الخصمين وإن كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً وأن وجود السرقة في يدي إنسان لا يوجب الحكم بها عليه انتهى.
واعلم أن هذه الآية جامعة لفضائل كثيرة.
منها بيان أن وبال الشر يعود على صاحبه كما أن منفعة الخير تعود على فاعله.
ومنها أن العلم والحكمة من أعظم الفضائل، والمراد العلم النافع المقرب إلى الله تعالى أعاذنا الله مما لم ينفع منه على ما قال عليه الصلاة والسلام في دعائه «وأعوذ بك من علم لا ينفع» فإن العلم النافع لا ينقطع مدده في الآخرة أيضاً على ما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» .
ومنها أن لا يرى العبد الفضائل والخيرات من نفسه بل من فضل الله ورحمته، وليس للعبد أن يزكي نفسه فإن الأنفس ليست بمحل التزكية، فمن استحسن من نفسه شيئاً فقط أسقط من باطنه أنوار اليقين، والكامل لا يرى لنفسه قدراً فكيف لعمله، وكل ما يعمله العبد من بدايته إلى نهايته لا يقابل لنعمة الوجود.