[فصل]
اعلم أن الله تعالى بين أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتفرقون عنه لو كان فظاً غليظاً مع أن اتباعه دين، وفراقه كفر، فكيف يتوقع من يعامل الناس على خشونة اللفظ مع قسوة القلب أن ينقاد الناس كلهم له ويتابعوه ويطاوعوه، فاللين في القول أنفذ في القلوب وأسرع إلى الإجابة وأدعى إلى الطاعة، ولذلك أمر الله موسى وهارون به فقال: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} .
قال الإمام في تفسيره:
اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله، فأما إذا أدى إلى ذلك لم يجز قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} (التوبة: 73)
وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنى {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}
والتحقيق أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، والفضيلة في الوسط، فورود الأمر بالتغليظ مرة، وأخرى بالنهي عنه إنما كان لأجل أن يتباعد عن الإفراط والتفريط فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم، ولهذا السر مدح الله تعالى الوسط فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} (البقرة: 143)
قال عليه السلام: «لا تكن مرّا فتعقى ولا حلوا فتسترط» .
واعلم أن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكليف الله إلى الخلق وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه وهذا لا يتم إلا إذا كان كريماً رحيماً يتجاوز عن ذنبهم ويعفو عن إساءتهم ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول متبرئاً من سوء الخلق وحيث يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء كثير القيام بإعانة الفقراء كثير التجاوز عن سيئاتهم كثير الصفح
عن زلاتهم فلهذا المعنى قال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159) ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة وهكذا ينبغي أن يكون علماء الآخرة الوارثون والمشايخ فإن الناس على دين متبوعهم في الظاهرة والباطن وقلما يوجد من يتصف بالأخلاق الحسنة من المشايخ والعلماء في هذا الزمان، إلا من عصمه الله وهداه إلى التمسك بالشريعة والتحقق بآداب الحقيقة، وهذه الحال ليست إلا لواحد بعد واحد.