فهرس الكتاب
{وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا}
كانوا يقولون للمسلمين اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم إما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم، وإما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا فهذا رد له بالمعنى الأول، أي: لا تكون جناية نفس من النفوس إلا عليها ومحال أن يكون صدورها عن شخص وقرارها على شخص آخر حتى يتأتى ما ذكرتم.
وقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} رد له بالمعنى الثاني، أي: لا تحمل يومئذٍ نفس حاملة حمل نفس أخرى حتى يصح قولكم ولنحمل خطاياكم.
وفي الآية أمور:
الأول: إن غاية المبتغى ونهاية المرام هو الله الملك العلام، فمن وجده فقد وجد الكل، ومن فقده فقد فقد الكل، والعاقل العاشق لا يطلب غير الله؛ لأنه الحبيب والمحب لا يتسلى بغير المحبوب.
والثاني: إن كل ما تكسب النفس من خير أو شر فهو عليها، أما الشر فهي مأخوذة به.
وأما الخير فمطلوب منها صحة القصد، والخلو من الرياء والعجب والافتخار به.
والنفس أمارة بالسوء فلا تكسب إلا سوء، والسوء عليها لا لها، وهذا دأب النفس ما وكلت إلى نفسها إلا أن رحمها ربها كما قال: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} (يوسف: 53) ولهذا كان من دعائه عليه السلام: «رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقلّ من ذلك»
وهي أي: النفس مأمورة بالسير إلى الله بقدم العبودية والأعمال الصالحة.
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل: العجب ممن يقطع الأودية والمفاوز والقفار ليصل إلى بيته وحرمه؛ لأن فيه آثار أنبيائه كيف لا يقطع بالله نفسه وهواه حتى يصل إلى قلبه فإن فيه آثار مولاه.
والثالث: إن كل نفس مؤاخذ بذنبه لا بذنب غيره.