فهرس الكتاب

الصفحة 693 من 3176

{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) }

وإنما شرط السفر في الارتهان مع أن الارتهان لا يختص به سفر دون حضر لأن السفر لما كان مظنة عدم الكتب بإعواز الكاتب والشاهد أمر بالارتهان ليقوم مقامهما تأكيداً وتوثيقاً لحفظ المال فالكلام خرج على الأعم الأغلب لا على سبيل الشرط، وقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلّم درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعاً من شعير وأخذه لأهله.

{وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}

فإن قلت: هلا اقتصر على قوله فإنه آثم، وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟

قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها فلما كان الإثم مقترفاً بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول: إذا أردت التوحيد هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي، ولأن القلب هو رأس الأعراض والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه واللسان ترجمان عنه، ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له من معاظم الذنوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت