{ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} (الفجر: 28) فيشاهد جمال مالكه ويناديه نداء عبد خاضع خاشع ذليل عاجز كما قرأ بعضهم: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} نصباً على نداء إياك نعبد، واعلم أن النفس دنيوية تعبد هواها الدنيوي لقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الجاثية: 23) والقلب أخروي يعبد الجنة لقوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات: 40 - 41) والروح قربى يعبد القربة والعندية لقوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} (القمر: 55) والسر حضرتي يعبد الحق تبارك لقوله تعالى على لسان نبيه عليه السلام: «الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل» [1]
فلما أنعم الله على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده كما قال تعالى على لسان نبيه عليه السلام: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل»
فتقرب العبد بنصفه إلى حضرة كماله بالحمد والثناء والشكر على صفات جماله وجلاله، وتقرب الرب على مقتضى كرمه وإنعامه كما قال: «من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً» بنصفه إلى خلاص عبده من رق عبودية الأغيار بإخراجه من ظلمات بعضها فوق بعض من هوى الناس ومراد القلب وتعلق الروح بغير الحق إلى نور وحدانيته وشهود فردانيته فأشرقت أرض النفس وسماوات القلب وعرش الروح وكرسي السر بنور ربها فآمنوا كلهم أجمعون بالله الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم وكفروا بطواغيتهم التي يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى وجعلوا كلهم واحداً وقالوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
والاستعانة طلب العون ويعدى بالباء وبنفسه أي: تطلب العون على عبادتك أو على ما لا طاقة لنا به أو على محاربة الشيطان المانع من عبادتك أو في أمورنا بما يصلحنا في دنيانا وديننا والجامع للأقاويل نسألك أن تعيننا على أداء الحق وإقامة الفروض وتحمل المكاره وطلب المصالح وتقديم العبادة على الاستعانة ليوافق رؤوس الآي وليعلم منه أن تقديم الوسلية على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة وإياك نعبد لما أورثه العجب أردف إياك نستعين إزالة له وإفناء للنخوة، ففي الجمع بينهما افتخار وافتقار فالافتخار بكونه عابداً والافتقار إلى معونته وتوفيقه وعصمته، وفيه أيضاً تحقيق لمذهب أهل السنة والجماعة؛ إذ فيه إثبات الفعل من العبد والتوفيق من الله كالخلق ففيه رد الجبرية النافين للفعل من العبد بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ورد المعتزلة النافين للتوفيق والخلق من الله بقوله: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ثم تحقيقهما من العبد أن لا يخدم غير الله ولا يسأل إلا من الله.
[1] الحديث ضعيف جدّاً أو موضوع.
وقد رواه القزويني في"مسلسلاته"- كما قال العراقي في"تخريج إحياء علوم الدين" (4/ 365) - من حديث حذيفة - رضي الله عنه -، وفيه: أحمد بن عطاء الهجيمي وعبد الواحد بن زيد وكلاهما متروك.
ورواه الديلمي في"مسند الفردوس" (3/ 187) عن علي وابن عباس.
وقال الحافظ ابن حجر في"فتح الباري" (4/ 109) : حديث واهٍ جدّاً. اهـ (موقع الإسلام سؤال وجواب) .